القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

جامعة القاهرة بين التنوير والمؤاخذة

119

كتب / محمود أمين

مضى على تخرجي أربع سنوات، لم تنقطع صلتي بالجامعة وقتها، ولم يفصلني عن التدبر في أمر الرجوع إليها وزيارتها زيارة المحب المشتاق بين تارة وأخرى فاصل، وقد أحمل بين جوانحي ذكريات مؤلمة وأخرى مفرحة للمكان نفسه، ولكني أختلف عن الناس فيما أحمله تجاه الأماكن التي أفادتني وثقلتني؛ فأتذكر المفرح دون الموجع من الذكريات –أحمد الله- التي تنحدر إلى سراديب النفس، كم مررت في هذه الطرقات وأنا يومئذ غر ليس عندي من التجربة ومعاشرة الناس إلا القليل النادر، أحببت اللغة العربية لحبي الشعر واخترتك يا دار العلوم بيتا أتعلم فيه وأدرج بين أترابي، والحديث عنك يلذ ويطيب وليس يكفيه المقال الخاطف فنرجئه لحينه.
كنت بالأمس في الجامعة طالبا، واليوم جئتها زائرا وقلبي يقول:
خليليَّ مرّا بي على أمِّ جُنْدِبِ
لنقضي لُباناتِ الفؤادِ المعذبِ
ألم ترَ أني كلما جئتُ طارقًا
وجدتُ بها طيبا وإن لم تطيبِ
امرئ القيس
يممت أرضي وجعلت الجامعة مقصدي ومرادي، وفي العقل تسلسل للماضي يعرض علي كل المشاهد كأنها بالأمس، كأني أزورها بأرشيف من الماضي القديم، كما نقابل الناس برصيد المعرفة القديمة: إن كانت حُسنى نهش لهم حين نقابلهم، وإن كانت سمجة تغاضينا عنها وصفحنا أو تجنبنا تلك الذكريات ومن ثم نتجنب أصحابها في المستقبل.
ولكني على واجب الصداقة ماضٍ لأقضي حقه، رأيت طلابك –أقصد الجامعة- يفقدون الحشمة والحياء؛ كلما التفت وجدت الطلاء يعلو الوجوه حتى إذا أبصرت وجها لا يعلوه طلاء أنكرته عيناي، ماذا أصاب بناتك يا جامعتي العزيزة؟ وقد قرأنا فيك أن العقل كلما تعرى عن المبادئ تعرى الجسد.
هل كل الناس فيك تعرت عقولهم عن المبادئ ومحاسن الاحتشام، ومن بعدها عملت الجوارح عمل العقل فألقم النار حظه من الاحتشام، لست نبيا ولا داعيا إلى إسلامنا ولا أرتقي لهذه الرتبة، وإنما أتأمل حال جامعتي بعد أن مر على تخرجي الأربع سنوات، ولم تكن الطالبات بهذه الزينة اللافتة؛ فماذا لو مر عشر سنوات أو عشرون ماذا نرى بعدها؟ أو قل ستغلق معظم مصانع القماش لقلة القماش المستهلك في الألبسة.
ماذا تريد المرأة؟
تستخدم كل وسائل الزينة التي خُلقت على الأرض، وكنت قد شاهدت مُجَمِّلَةً: تتحدى النساء اللائي شككن في قدرتها على التجميل، فجاءت بحبة من البطاطس كبيرة الحجم، وبدأت في عمل التجميل وبعد ساعة انقلبت حبة البطاطس وجهًا فاتنا يسلب ألباب الرجال، تأمل يا عزيزي وتيقظ! فماذا لو زُينت المرأة من بعد ما زينها الله؟
أقول: ماذا تريد المرأة لأن قانون المنفعة يقتضي هذا السؤال ويرد عليه؛ فتجد المرأة تستخدم هذه الأسلحة كي يُعجب بها شاب مثلا، أو تعجب الناس كافة، أو تكسب ثقة في نفسها، أو تريد شهرة، أو هي قبيحة بالفطرة فتجمل نفسها وهذا واجب في وقته ومقبول عندي، أو تحتاج درجة أو درجتين في مادة من المواد التي تجلب درجاتها بجمالها، أو تكسب سلطانا؛ هكذا أعدد الدوافع التي دفعت بالمرأة كي تتجمل، فرأيتها كلها –النتائج- تتمحور حول فن الاكتساب، فقد تحولت المرأة من جلال العفة والتكريم إلى مادة تكسب هذا وذاك، ولكني أمحو كلامي بممحاة الواقع؛ لأني وجت امرأة تعلو أعلى منصب يمكن أن يبلغه إنسان وقد تجملت بكامل زينتها فماذا تريد؟
القلوب تمرض وتصح، فمرضها الغفلة والانهماك في الملذات المادة المؤدية إلى الهلاك ومبدؤها القائم على لذة الثانية وحسرة الساعة، وتصح بالعبادة.
ولو قلت كلما عري القلب من نورانيته عري الجسد من حشمته؛ لصح قولي ولكن الناس تكابر.
وفي نهاية الحديث تضافرت الأفكار برأسي وقت نبهني رجال المترو من لبس الكمام فقلت في نفسي: كم من الأسباب التي اتخذتها الدول لصد الأمراض حتى كادت تقضي عليها، فهل يأتي اليوم الذي تقم فيه لافتة في كل مفرق أن يا أهل البلاد احتشموا واستحوا يرحمكم الله.
وعليه أرجو أن أكون خفيف الظل، وكلماتي طيبة الوقع فرب مبلغ أوعى من سامع.

قد يعجبك ايضا
تعليقات