القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

سِحر النهايات

147

كتبت/ سهام سمير
ما لا نعرفه عن الأيام الشتوية أنها تحمل فى طياتها حكايات لا تنتهى، فى طقس شتوى يميل للبرودة، لن يكون فى الشارع غير سائقي الميكروباصات، فلاحات جئن بعد أذان الفجر ليبعن ما جمعنه الأيام الماضية.
مع من يسرن فى هذا الصباح الباكر، ابتاع رجلا من الفرن القريب لموقف الأتوبيسات بقسماطة وفطيرة بعد أن وضعهما له الفران فى كيس بلاستيك أبيض.
بينما يمشي وهو يمنى نفسه بمذاق البقسماط مع الشاى بلبن، تعثر الرجل فى حجر فسقط فى الشارع، تجمع المارة حوله، حاول أحدهم أن يساعده فى النهوض، لكن وزن الرجل أبى إلا أن يشترك رجلان فى مساعدته، بينما وقفت إحدى السيدات تدعمه بالدعوات والتمنيات له الا يكون اصابته كدمة موجعة، فيما جرى عليه عسكرى المرور، ممسكا بيد بجهاز اللاسلكى الخاص به وباليد الأخرى ينفض عنه غبار الشارع، فجاة رأى الرجل الذى يمشي فى هذا الشارع يوميا ويرى هؤلاء كل فى مكانه، لم يتحرك أحدهم تجاهه مرة فيما يسير بكيس البقسماط والفطير، لكنهم اليوم انتفضوا وتجمعوا حوله، ولمعت عيناه بلمعة غريبة، فيها من الشكر لنجدتهم إياه، والامتنان لوجودهم حوله.
تجمعت دموع فى عين الرجل حين اكتشف ان الكيس البلاستيكى انقطع، وجزء من البقسماطة بترت وسقطت على الارض، تعجب الجمع الذى يرافقه لحين الاطمئنان عليه، بينما هو يبكى البقسماطة التى بدأت فى التمزق شيئا فشيئا.
ناوله العسكرى كيسا نظيفا يجمع فيه بقايا البقسماط المتكسر، ويلف به الفطيرة، ومن زاويتى فى أخر المشهد، كنت أراقب هذه التحركات العجيبة، وتلك اللحظات الاستثنائية التى تجمع بين أفراد من مختلف الفئات والأعمار وقد لا يجمعهم سوى مشهد كهذا.
قبل هذا المشهد بدقائق كنت مختنقة بالدموع والغضب على إحدى الموظفات التى وجدت أن أوراقى ينقصها ختم ما، فرفضت التوقيع على الورق.
كنت أسير بطاقة غضبي على هذا الصباح، الذى بدأ بمشادة مع موظفة، وتوقعت ان يكمل اليوم بنفس ايقاع المشاجرة الصباحية، لكن ما لم أتوقعه أن أصادف هذا الرجل، وأن أرى دفقات الحنو من العسكرى والسيدة التى تدعو والمار الذى أسنده، وأن أرى لهفة الرجل على البقسماطة والفطيرة ومحاولة لملمتهما فى كيس نظيف عوضا عن الثاني.
بينما تعثر أحدهم وقام يبحث عن فرصة جديدة ليشارك زملاء العمل الشاى بحليب مغمسا بالبقسماط والفطير، علمني أن الفرص سانحة، وأن ما رفضته إحداهن، ستنجزه الأخرى مع ابتسامة جميلة، وأن النهايات ربما تكون أجمل من البدايات بكثير.

قد يعجبك ايضا
تعليقات