القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

دليل الإسلام عند كل مسلم مفاتيح الغيب

103

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن الغيب علي حقيقته لا يعلمه إلا الله، ومن صفات المؤمنين المتمسكين بدينهم الإيمان بالغيب قال الله تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(سورة البقرة، الآية:3)

جاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:

( الذين يؤمنون بالغيب )
قال أبو جعفر الرازي ، عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان التصديق .
وقال علي بن أبي طلحة وغيره ، عن ابن عباس ، ( يؤمنون ) يصدقون .
وقال معمر عن الزهري : الإيمان العمل .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : ( يؤمنون ) يخشون .
قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القول بالعمل ، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإقرار بالفعل . قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض ، وقد يستعمل في القرآن ، والمراد به ذلك ، كما قال تعالى : ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) [ سورة التوبة، الآية : 61 ]

، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) [سورة يوسف، الآية : 17 ]
، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [سورة الانشقاق،الاية : 25 ، وسورة التين، الآية : 6 ] ، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا .
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة ، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .
ومنهم من فسره بالخشية ، لقوله تعالى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ) [ سورة الملك، الآية: 12 ] ، وقوله : ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ) [ سورة ق ، الآية: 33 ] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم ، كما قال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ سورة فاطر ، الآية: 28 ] .
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه ، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد .
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( يؤمنون بالغيب ) قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وجنته وناره ولقائه ، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث ، فهذا غيب كله .
وكذا قال قتادة بن دعامة .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة ، وأمر النار ، وما ذكر في القرآن .
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( بالغيب ) قال : بما جاء منه ، يعني : من الله تعالى .
وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، قال : الغيب : القرآن .
وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب .
وقال إسماعيل بن أبي خالد : ( يؤمنون بالغيب ) قال : بغيب الإسلام .

وقال زيد بن أسلم : ( الذين يؤمنون بالغيب ) قال : بالقدر . فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به .
وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا ، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به ، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : ( الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) إلى قوله : ( المفلحون ) [سورة البقرة ، الآيات: 1 – 5 ] .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق ، عن الأعمش ، به .
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [ الإمام ] أحمد ، حدثنا أبو المغيرة ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثني أسيد بن عبد الرحمن ، عن خالد بن دريك ، عن ابن محيريز ، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، أحدثك حديثا جيدا : تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك . قال : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .

طريق أخرى : قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره:
حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن صالح بن جبير ، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس ، ليصلي فيه ، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ، فلما انصرف خرجنا نشيعه ، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا ؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة ، فقلنا : يا رسول الله ، هل من قوم أعظم أجرا منا ؟ آمنا بك واتبعناك؟ قال : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا مرتين .
ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة ، عن مرزوق بن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، بنحوه .
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث ، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا .

وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن المغيرة بن قيس التميمي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟ . قالوا : الملائكة . قال : وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ . قالوا : فالنبيون . قال : وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ . قالوا : فنحن . قال : وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها .
قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث .
ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده ، وابن مردويه في تفسيره ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن أبي حميد ، وفيه ضعف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله أو نحوه . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري ، أخبرني جعفر بن محمود ، عن جدته تويلة بنت أسلم ، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون البيت الحرام .

قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال : أولئك قوم آمنوا بالغيب .

وجاء عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكونُ في غَدٍ، ولَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكونُ في الأرْحَامِ، ولَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وما تَدْرِي نَفْسٌ بأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وما يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ.
(صحيح البخاري ، رقم : 1039 وهو صحيح)

لقد أحاطَ اللهُ تعالَى بكلِّ شيءٍ علمًا، فأحاطَ عِلمُه بالغَيبِ والشَّهادةِ، والظَّواهرِ والبَواطنِ، وقدْ يُطلِعُ اللهُ بعضَ عِبادِه على بَعضٍ مِن الأمورِ الغَيبيَّةِ، وهناك أُمورٌ استَأثَرَ بها وحَجَبَ عِلمَها عن جَميعِ المخلوقاتِ، فلا يَعلَمُها نَبيٌّ مُرسَلٌ، ولا مَلَكٌ مُقرَّبٌ، ومِن هذه الأُمورِ ما وضَّحَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحَديثِ، حيث أخْبَرَ أنَّ مِفتاحَ الغَيبِ خمْسٌ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ، والمرادُ خَزائنُ الغَيبِ.
وقيل: المفِتاحُ في الأصلِ: كلُّ ما يُتوسَّلُ به إلى استِخراجِ المغْلَقاتِ التي يَتعذَّرُ الوصولُ إليها، والغَيبُ: ما غاب عن الخَلقِ، وسواءٌ كان مُحصَّلًا في القُلوبِ أو غيرَ محصَّلٍ، ولا غَيبَ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ. وهذا مِن بابِ التَّشبيهِ، حيثُ شُبِّهت الأمورُ المغيَّبةُ عن الناسِ بالمتاعِ النَّفيسِ الذي يُدَّخَرُ ويُحفَظُ بالمخازنِ والخزائنِ الموضوعِ عليها أقفالٌ، بحيث لا يَعلَمُ ما فيها إلَّا الذي بيَدِه مَفاتيحُها، والغيوبُ التي لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ كَثيرةٌ، والتَّخصيصُ بخَمْسٍ لا يدُلُّ على نفْيِ الزائدِ، وإنَّما فيه إشارةٌ إلى أنَّ هذه أُمَّهاتُ الأُمورِ.
وقيل: لأنَّه سُئِلَ عنها.

فأوَّلُ هذه الخمْسِ أنَّه: لا يَعلَمُ أحدٌ غيرُ اللهِ تعالَى ما يكونُ في غَدٍ، أي: ما يَنْطوي عليه الغدُ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، ولو كان نَبيًّا إلَّا بواسطةِ الوحيِ المنزَّلِ عليه.

وثانيها: ولا يَعلَمُ أحدٌ غيرُ اللهِ سُبحانَه ما يكونُ في الأرحامِ؛ مِن ذَكَرٍ أو أُنثى، أسودَ أو أبيضَ، كاملٍ أو ناقصٍ، أو نحْوِها؛ فهو سُبحانَه المُنفرِدُ بعِلمِ ذلك قبْلَ التَّخلُّقِ، أمَّا بعدَ تخلُّقِه فإنَّه لم يَعُدْ غَيبًا، وفي إمكان الكشْفِ الطِّبِّيِّ الوصولُ إلى مَعرفتِه.

وثالثُها: ولا تَعلَمُ نفْسٌ ماذا تَكسِبُ غدًا مِن الأعمالِ، سواءٌ كانتْ خَيرًا أو شرًّا، حَسَنةً أو قَبيحةً؛ فاللهُ سُبحانَه هو الذي يَعلَمُ ما تَكسِبُ كلُّ نفْسٍ.

ورابعُها: وما تَدري نفْسٌ بأيِّ أرضٍ تَموتُ، فلا يَعرِفُ أحدٌ مِن النَّاسِ مِيعادَ أجَلِه، أو أين مَكانُ وَفاتِه؛ في بَحْرٍ أو بَرٍّ، أو سَهْلٍ أو جَبَلٍ.

وخامسُها: ولا يَدري أحَدٌ متى يَجيءُ المطرُ قبْلَ ظُهورِ عَلاماتِه، وأمَّا ما يُخبِرُ عنه خُبراءُ الطَّقسِ والأرصادِ فإنَّما هو مِن بابِ تَوقُّعِ الحُدوثِ، لا الجَزْمِ بالحُدوثِ، وكذلك يكونُ بالأسبابِ التي هيَّأَها اللهُ سُبحانَه وبيَّنها لهم، وأمَّا قبْلَ ذلك فلا يَعلَمُ أحدٌ عن ذلِك شيئًا.

وهذه الخَمسُ التي في هذا الحديثِ قدْ ذَكَرَها اللهُ تعالَى في قولِه سُبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة لقمان، الآية: 34]

؛ فعِلمُ الساعةِ داخلٌ في عِلمِ ما في غَدٍ.
وفي الحديثِ: إبطالُ تخرُّصاتِ المُنجِّمينَ والكَهَنةِ في تَعاطِيهمْ عِلمَ الغيبِ، وأنَّ مَن ادَّعى عِلمَ شيءٍ ممَّا انفرَدَ الله سُبحانَه بعِلمِه، فقدْ كذَّبَ اللهَ تعالَى ورَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والقُرآنَ العَظيمَ.
وفيه: دليلٌ على أنَّ اللهَ تعالَى يَعلَمُ الأشياءَ قبْلَ وُقوعِها.

فللغيب مفاتيح، هذا إذا كانت مَفاتح جَمعُ مِفْتَح، وهي الآلة التي يُفتح بها ما أُغلق. وللغيب مخازن، هذا إذا كانت مَفاتح جمع مَفْتَح، وهو المَخزن الذي توضع فيه الأشياء النفيسة ويُفتح عند الحاجة. وعليه يكون المعنى: أنّ مخازن الغيب ومفاتيحها هي مما استأثر الخالق سبحانه بعلمه.

وكان يمكن أن ننتهي عند هذا المعنى لولا ما صحّ عند البخاري وغيره من قول الرسول، صلى الله عليه وسلم:” مفاتح الغيب خمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَام، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. واللافت هنا أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد تلا الآية (34 )من سورة لقمان، والتي هي خاتمة السورة. وهذا يعني أنّ خاتمة سورة لقمان هي تفسير لمطلع الآية (59 )من سورة الأنعام.

فصار معلوماً أن مفاتح الغيب هي: الساعة، والمطر الذي هو غيث، وما يكون في الأرحام، والزمن المستقبلي، والموت. وهذه الخمس إما أن تكون مفاتيح توصل إلى الغيوب وتَفتحُ عن المُغيَّبات، وإما أن تكون هي مخازن للغيوب. والمعنى الأول هو الظاهر.

علي أن المقصود بمفاتح الغيب الأمور التي عندها تظهر الأمور المُقدّرة في عالم الغيب، أي الأمور التي تكون المفاتيح لظهور عالم القَدَر بعد أن كان غيباً في عالم القضاء.

فالساعة: عندما تأتي الساعة وتقع وتتجلى للناس، تبدأ أسرار هذا العالم الجديد بالظهور بعد أن كانت غيباً خاصاً بهذا العالم. أي أنّ وقوع الساعة كان المفتاح الذي لا بد منه لتجلّي هذه الغيوب.

ونزول المطر الذي هو غيث: هناك غيوب تتعلق بعالم الحياة يكون الغيثُ مفتاحاً لظهورها، كما هو الأمر بظهور النبات، بعد أن كان غيباً، عند توفر مفتاحه والذي هو الغيث.

وعلم ما في الأرحام: وهناك غيوب تتعلق بعالم الأحياء مفتاحها ما يستقر في الأرحام، كما هو الأمر في الأجيال البشريّة التي هي من الغيوب ولا تظهر حتى تتوافر مفاتيحها، والتي هي ما يستقر في الأرحام.

ما يقع في الزمن المستقبل: وهناك غيوب لا تظهر حتى يمر الزمن. فكل زمن يكون مفتاحاً لغيوب مقدّرة.

والموت: الموت مفتاح لما بعده من الغيوب في عالم البرزخ حتى تقوم الساعة.

هذه المفاتح الخمس لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى؛ فالساعة من الغيوب التي استأثر الله تعالى بعلمه. ونزول الغيث بكل قطراته ومواقع القطرات وزمن وقوعها وآثار ذلك ونتائجه، غيب لا يعلمه إلا من كان مطلق العلم سبحانه. وأما ما يستقر في عالم الأرحام بكل تفاصيله واحتمالاته وظروفه ونتائجه، فلا يلمّ بشموله إلا علام الغيوب. وأما ما يُخبّئه مستقبل الزمان وما يُحدثه مرور الوقت، فلا يعلمه إلا من قَضى وقَدّر. وأما المواقع التي يَحدُث عندها الموت فَوِفق ما قضى به سبحانه وتعالى، فيتولاه المَلَك الذي وكّلَ به.

أما ما يَتَحصّلُ للبشر من علم جُزئيٍّ ببعض هذه المُغيّبات؛ فإما أن يكون بإخبار الوحي، أو بالرؤيا الصادقة، أو بالإلهام، أو بمقدمات تُشير وتُعلِن فتصدق أو لا تصدق.

اللهم إيمانا يخالط لحمنا ودمنا وعظامنا يا أرحم الراحمين دمتم في حفظ الله ورعايته.

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات