القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

نبذه عن نبى الله لوط ” الجزء الثالث

99

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع نبى الله لوط عليه السلام، وقد توقفنا عندما فزع نبى الله لوط عليه السلام حين رأى القوم قد اجتمعوا يريدون الفاحشة ويرغبون في المنكر، فناشدهم تقوى الله، ودعاهم إلى ستر مخازيهم، والكف عن مساوئهم، ولكنهم جميعا فجرة سفهاء لم يستمعوا توسله ولم ينزلوا على إرادته، فأغلق الباب دونهم وحال بينهم وبين ما يشتهون، ثم أرشدهم إلى غشيان نسائهم اللاتي جعلهن الله حلالا لهم، وحذرهم من عاقبة فعلهم، ومع ذلك لم ينتهوا، بل ازدادوا خبثا وتشبثا بما عزموا عليه من الفاحشة، وقالوا للوط عليه السلام إنك تعلم أنه ليس لنا في النساء من حاجة أو رغبة، وإنك لتعلم ما نريد، إن لوط عليه السلام ضاقت به السبل من إصرار قومه على فعل الفاحشة، وسدت أمامه أبواب الأمل، فأخذه الكرب، فأخذ يفكر كيف يخلص ضيوفه من مكر قومه فقال لو أن لي بكم قوة لاستطعت أن أمنع عدوانكم، وآمن شركم، وأقف في وجوهكم، ولو كنت في منعة وعزة لمنعت ولقومت معوجكم وألنت قناتكم، لكن القوم قد أعمتهم الضلالة، وأصروا على فاحشتهم، فغشيه الحزن، وتملكته ثورة من الغضب، وحين يئس من ردّهم، ولما رأى الملائكة ما هو فيه من الوجد والحزن ردوا لهفته وسكنوا روعه وقالوا يا لوط، إنا رسل ربك، جئنا لإنقاذك.

ودفع العدوان عنك، فلن يصل هؤلاء الكفرة المفسدون إليك، وإنهم لمنهزمون، ثم إن القوم بعد ذلك تولاهم الفزع والرعب فتولوا هاربين، متوعدين لوطا بعد أن كشف الله عنه الغمة وأصبح لا يأبه لوعيدهم وتهديدهم، ثم أمره الملائكة أن يسري هو وأهله بقطع من الليل آي آخره، ويتركوا هذه القرية التي أذن الله عز وجل أن ينزل بهم العذاب، ثم نهوه أن يصطحب معه امرأته، فسيحل بها ما حل بالقوم لنفاقها ومشايعتها لهم، وأمروه أن يصبر ويثبت عند نزول العذاب بقومه، فلما خرج لوط وأهله وابتعد عن القرية جاءها أمر الله ونزل بها عذابه وزلزلت الأرض زلزالها، فصار عاليها سافلها، ثم غشيت بمطر من سجيل وهي الحجارة الصغيرة، فأصبحت ديارهم خاليه، وبيوتهم خاوية بما ظلموا وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى ” إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ” ولقد جاءت قصة نبى الله لوط عليه السلام مع قومه في عدة سور من القرآن الكريم، ومنها سورة حيث يقول الله عز وجل فيها ” إن فى ذلك لآيات للمتموسمين ” وقيل المراد بها الفراسة، أي أهل الفراسة، والتي يقصد بها الاستدلال بهيئة الإنسان وأقواله وأشكاله وألوانه على أخلاقه وفضائله ورذائله، وقيل غير ذلك، وإن من أعظم جرائم قوم لوط عليه السلام.

هو إتيان الرجال بدلا من النساء، وقطع الطريق وإتيانهم المنكر من الأقوال والأفعال في مجالسهم وتكذيب لوط عليه السلام الذي دعاهم إلى عبادة الله، وإلى الفضائل والأخلاق الفاضلة والأمور الطيبة بدلا مما كانوا فيه من الكفر والفساد والضلال والخبث، وهكذا كانت قصة نبي الله لوط عليه السلام مع قومه، الذين ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، ألا وهي اللواط، وهو إتيان الذكران من العالمين، فكم في ممارسة اللواط من وقاحة، وانتكاس فطرة، فلما انتشرت هذه العادة الخبيثة بينهم دعاهم لوط عليه السلام إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات، والفواحش والمنكرات، والأفاعيل المستقبحات لكنهم لم يرتدعوا، ولم ينفع فيهم دعوة نبيهم لوط عليه السلام، فتمادوا في طغيانهم، وبقوا على ضلالهم، واستمروا في فجورهم وكفرانهم، فلما رأى الله عز وجل منهم ذلك، وأنه لا فائدة معهم، أحل بهم من البأس، الذي لم يكن في خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثالة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباب من العالمين، ولقد كانت أهم قضية في دعوة لوط عليه السلام، هي هذه القضية لأن قومه لو استجابوا له في دعوته إلى الإيمان بالله، وعدم الإشراك به، لما كان لاستجابتهم أي معنى، إذا لم يقلعوا عن عاداتهم الخبيثة

التي اجتمعوا عليها، ولم يتستروا من فعلها، بل أصبحت جزءا من نظام حياتهم، ولهذا كانت دعوة لوط عليه السلام منصبه على هذه الظاهرة، وهنا أمر لا بد من التنويه إليه، وهو أن كل نبي بعثه الله تعالى لهداية قومه، ما بعث إلا لإصلاح ما فسد من أخلاقهم وعاداتهم، وهذا يقتضي أن يتصدى النبي صلى الله عليه وسلم لعلاج ومواجهة أخطر المشكلات، مهما كلفه ذلك من تضحيات، فهل يفقه الدعاة إلى الله عز وجل هذه اللفتة، ويأخذها عبرة ودرسا من نبي الله لوط عليه السلام، وقيل أنه عندما وصل الملائكة إلى نبى الله لوط عليه السلام، وهو يعمل في أرض له، فقالوا إنا ضيوفك الليلة، وهو لا يعلم أنهم ملائكة لأنهم جاؤوا على صور بشر، لكنه تضايق أشد الضيق عليه السلام، وذلك لأنهم كانوا حسان الوجوه، وخاف عليهم من اعتداء قومه عليهم، وواجب الضيافة يحتم عليه أن يحميهم من كل أذى، فانطلق بهم عليه السلام فلما بصرت بهم زوجة لوط عليه السلام، وكانت امرأة سيئة على أخلاق قومها، ذهبت وأخبرت القوم، فانتشر الخبر، على أنه قد نزل رجال حسان ضيوفا على لوط، فأسرعوا إلى بيته، وتجمهروا حوله، يبتغون الفاحشة من ضيوفه، فراح لوط عليه السلام، يمانع قومه، ويدافعهم والباب مغلق.

وهم يريدون فتحه وولوجه فلما آيس منهم، فقال عليه السلام كما جاء فى سورة هود ” قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ” ومن هنا قد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال “يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد” أي أن الملائكة كانوا معه، وهو لا يعلم، وعندما علم لوط عليه السلام أنه في حضرة الملائكة، وأن ركنه شديد، فاطمأنت نفسه، وذهب عنه القلق، وقام جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم خفقة، بطرف جناحه، فطمست أعينهم، فقال الله تعالى ” ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا على أعينهم فذوقوا عذابى ونذر، ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ” ويبدو أن لوط عليه السلام سأل الملائكة استعجال العذاب، فأجابوه بقوله تعالى ” إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ” بلى إنه قريب، ووعد الله حق لا ريب فيه، وكل شيء عنده بمقدار، ولن يتأخر موعد هلاكهم أو يتقدم لحظة واحدة، وقد حدده من قبل أن يكون عند شروق الشمس، وخرج لوط عليه السلام من القرية الظالم أهلها، ومعه أبناؤه، أما زوجته، فكانت من الهالكين، وقد خرج لوط في جنح الليل، وترك وراءه المال والمتاع، ولم يلتفتوا، أو يندموا على ما حل بقومهم، فقال الله تعالى فى سورة هود.

” ولا يلتفت منكم أحدا إلا إمرتك إنه مصيبها ما أصابهم ” وجاء وعد الله تعالى، وخلال ثوان معدودات، جاءت الصيحة، وسقطت البلدة، وجعل الله عاليها سافلها، وأرسل عز وجل مطرا من حجارة صلبة، فأهلك القوم كلهم جزاء وفاقا، وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة، لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي، وهي التي تعرف اليوم بالبحر الميت، ويرى بعض العلماء أن البحر الميت لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وفي ذلك آية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته وانتقامه، ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وإن ديار قوم لوط عليه السلام ليست ببعيدة وستبقى بحيرة قوم لوط عليه السلام عبرة للظالمين، أينما وجدوا، وحيثما كانوا، وإن من أبشع أنواع الحماقة أن يغفل الناس عن قدرة الله عز وجل، وشدة بطشه، ويركنوا إلى حولهم وقوتهم، وعلينا أن نتذكر أن الله جلت قدرته الذي أهلك قوم لوط عليه السلام بثوان معدودات، قادر سبحانه على إهلاك وتمزيق كل مجتمع، لا يهتدي بهديه مهما قويت شوكتهم، وكثر عددهم، وتزايد بطشهم، وهكذا فإن في قصة لوط عليه السلام.

فيها استهجان واضح لجريمة اللواط، ووعيد من الله بالعذاب الشديد لمرتكبها في الدنيا والآخرة، وإن اللواط من أقبح وأشنع الفواحش، فهو يدل على فساد ومرض في المزاج الإنساني، خطره جسيم على المجتمع الذي ينتشر فيه، إنه انحدار بالإنسان إلى ما دون الحيوانية البهيمية، وقد ذم الله عز وجل هذه الفعلة، بعدة صفات ذميمة في كتابه، وصف صاحبها بالعدوان أي متعدون على حدود الشريعة الإلهية، ووصفهم كذلك بالجهل، ووصفهم كذلك بالإسراف أي مسرفون في الشهوات، ومتجاوزون الحدود التي رسمها الله لعباده، وإننا عندما نجد استنكار القرآن الكريم لهذه الفاحشة، بهذه الصورة، ثم نسمع ونرى أن الإنسان المتمدن في الثلث الأخير من القرن العشرين، بدأ يزاول هذه الفاحشة علنا، في معظم الدول الأوربية، معللا ذلك بالتقدم والتحضر، وبالحرية الشخصية، فلا ندري ماذا نقول عن هذا التحضر والتقدم؟ وإنه من العجيب أنك ترى كثيرا من المسلمين من يُعجب ويقتدي بحياة الغرب، وتخدعه وتبهره ما يشاهده من ظاهر واقعهم لأنه لا يعلم أنها مناظر جذابة، مغلف بمعتقد وتصور فاسد، وإن بوادر هذه الظاهرة بل الظاهرة نفسها، قد تسربت إلى بلادنا، وأخذ اللواط ينتشر بين أبناء المسلمين بشكل يهدد المجتمع.

قد يعجبك ايضا
تعليقات