الادب

(جميل وبُثينة) حُبٌّ ذُرِفتٍ عليهِ الدموعُ سلسلة حلقات

بقلم/ حمادة توفيق
(السابعة)
لما ضاقتْ بجميلٍ الحيلُ وأرادَ الخروجَ إلى الشامِ، هجمَ ليلاً على بُثينةَ وقد وجدَ غفلةً في الحيِّ، فقالت له : أهلكتني واللهِ وأهلكتَ نفسكَ، ويحك أما تخاف ؟
فقال لها : هذا وجهي إلى الشامِ، وإنما جئتكِ مودعاً.
فحادثها طويلاً ثم ودعها، وقال : يا بُثينةُ ما أرانا نلتقي بعد هذا، وبكى بكاءً طويلاً وبكت، ثم قال وهو يبكي :
ألا لا أبالي جفوةَ الناسِ ما بدا ..
لنا منكِ رأيٌ يا بُثينُ جمـيلُ !
وما لم تطيعي كاشحاً أو تبدلي ..
بنا بدلاً أو كان منكِ ذهـولُ !
وإني وتكراري الزيارةَ نحوكمُ ..
بُثينُ بذي هجرٍ بُثينُ يطـولُ !
وإنّ صبابتي بكم لـكـثـيرةٌ ..
بُثينُ ونسيانيكـم لـقـلـيلُ !
وخرجَ إلى الشامِ وطال غيابه فيها، ثم قدمَ وبلغَ بُثينةَ خبرهُ فراسلته مع بعض نساء الحيِّ تذكرُ شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه، وواعدته لموضعٍ يلتقيانِ فيه، فسارَ إليها وحدثها وبثَّ إليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها، وقد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثبَ جميلُ وانتضى سيفه وشدَّ عليهما فاتقياهُ بالهربِ، وناشدته بُثينةُ اللهَ ألا انصرف، وقالت له : إن أقمتَ فضحتني، ولعلَّ الحيَّ أن يلحقوا بك.
فأبى وقال : أنا مقيم، وامضي أنتِ وليصنعوا بي ما أحبوا، فلم تزل تنشده حتى انصرف، وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة وفي ذلك يقول :
ألم تسألِ الربعَ الخـلاءَ فـينـطـقُ ..
وهل تخبرنكَ اليومَ بيداءٌ سمـلـقُ !
وقفت بها حتى تجلـت عـمـايتـي ..
ومل الوقوفَ إلا رحبي المـنـوقُ !
تعزو إن كانـت عـلـيك كـريمةً ..
لعلك من رقٍّ لبـُثـينةَ تُـعـتـقُ !
لعمركم إن الـبـعـادَ لـشـائقـي ..
وبعضُ بعاد البين والنـأي أشـوقُ !
لعلك محـزونٌ ومـبـدٍ صـبـابةً ..
ومظهرٌ شكوى من أناسٍ تفرقـوا !
وبيض غريرات تثني خصـورهـا ..
إذا قمنَ أعجازٌ ثـقـالٌ وأسـوقُ !
عزائز لم يلقـين بـؤسَ مـعـيشةٍ ..
يَجنُّ بهن الناظـرُ الـمـتـنـوقُ !
وغلغلت من وجدٍ إليهـنّ بـعـدمـا ..
سريتُ وأحشائي من الخوفِ تخفقُ !
معي صارمٌ قد أخلصَ القينُ صقلـه ..
له حين أغشيه الضـريبةَ رونـقُ !
فلولا احتيالي ضقن ذراعـاً بزائرٍ ..
به من صبابـاتٍ إلـيهـنَ أولـقُ !
تسوقُ بقضبانٍ الأراكِ مـفـلـجـاً ..
يُشعشعُ فيه القارسـيُّ الـمـروقُ !
أبُثينةُ للوصلُ الـذي كـان بـينـنـا ..
نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلقُ !
أبثـينة مـا تـنـأين إلا كـأنـنـي ..
بنجم الثريا مـا نـأيتُ مـعـلـقُ !
قبل النهاية …
قبل أن أسردَ لكم وفاةَ جميلٍ أودُّ أن أخبركم أن بعض التناقض في الروايات عن جميل وبثينة، يثبت القصة في جملتها – هذا في رأي الأستاذ العقاد – ولا ينفيها.
وبعض هذا التناقض يرجع إلى تقديرات النقاد أو القراء فيما يحكمون به على الحب، وما يجوز أو لا يجوز فيه، فيستبعدون الخير الذي هو بعيد عن الحب في تقديرهم، ويميلون إلى اتهام الرواة بالوضع أو قلة التحقيق.
وهنا يتوقف الأستاذ العقاد عند رأيٍ أبداه الدكتور طه حسين، فيما أستحسن أن أنقله إلى القارئ بنص عبارته.
قال الأستاذ العقاد ؛
« من ذلك مثلاً أن صديقنا الدكتور طه حسين يرى من دواعي التشكيك في قصة جميل أنه غدر بصاحبته مرة وأن « الغدر لا يمكن أن يصدر عن حبيب عذري كما نفهمه ».
فأحصى الدكتور ألوان الشكوك ومنها اللون الثاني وهو كما قال : « شيءٌ من الغدر لا يمكن أن يصدر عن حبيب عذريّ كما نفهمه، ولا كما كان يفهمه القدماء، زعموا أن أهل بُثينةَ أذاعوا في الناس أن جميلاً لا ينسب بابنتهم وإنما ينسب بأمة لهم، فغضب جميل لهذه المقالة وأراد أن يكذبها، فواعد بُثينةَ والتقيا ذات ليلة فتحدثا، ثم عرض عليها جميل أن تضطجع فمانعت ثم قبلت وأخذها النوم، فلما استوثق جميل من ذلك نهض إلى راحلته فمضى، وأصبح الناس فرأوا بثينة نائمة في غير بيتها فلم يشكوا في أنها كانت مع جميل، وقال جميل في ذلك شعرًا، أتظن أن مثل هذا الخبر يمكن أن يكون حقًا وأن رجلاً كجميل كان يحب بثينة حبًا كالذي نجده في شعره، يستطيع أن يعرضها لمثل هذه الفضيحة ؟ »
فتقدير الدكتور هنا لحب جميل وما ينبغي أو لا ينبغي لمثل حبه هو الذي أظهر التناقض في هذه القصة وجنح به إلى تكذيبها.
أما إذا أخذنا بتقدير غير هذا التقدير فيما يعقب الأستاذ العقاد فلا تناقض ولا موجب إذن للتكذيب.
يقول : « وعندنا نحن أن حب جميل لا يمنع أن يعرضها لتلك الفضيحة لأنها لا تتجاوز معنى قصيدة من القصائد الكثيرة التي تغنى فيها بحبها ولقائها ومناجاتها، ثم أرسلها في أفواه الرواة تطوف البادية والحاضرة حيث قدر لها المطاف.
وجميل على ما يظهر من شعره يهتم بالنسيب والقالة حتى ليجازف في سبيلها بحظه كله من معشوقته وهو عالم بهذه المجازفة، فينسب بها وقد علم أن هذا النسيب يحرمه أن يتزوج بها ويقسمها لغيره من طلابها.
ونحن مع هذا نصدق حبه ونصدق نسيبه ولا نقول لو كان محبًّا حقًّا لترك النسيب بالمحبوبة ليظفر بها ولا يفقدها.
فالتناقض في القصة التي استشهد بها الدكتور طه تقديري يزول أو يزول مؤداه متى اختلف التقدير.
وربما اختلف التقدير فكان من أسباب توكيد الخبر أو ترجيحه ولم يكن من أسباب استبعاده ونفيه، لأن الرجل الذي يشغله النسيب هذا الشغل الشاغل يكرثه (يُصاب بكارث)، حقًّا أن يقال إنه يتغزل بأمة شائهة وإنه مسلوب العقل مضيع الحياة في هواها، ويهون عليه أن يعلن حقيقة هواه ولا يهون عليه أن يحتمل هذه الوصمة المهينة، وعلالته في ذلك أنه لا يخشى ضرراً من الفضيحة على من يهوى لأنها قد اشتهرت قبل ذلك بملاحقته لها ولم يصبها مصاب من ذويها، غير الشكاية والزجر الذي لا يضيرها.
والزهو بعد عنصر من عناصر العشق لا سبيل إلى نكرانه والاستخفاف بإغرائه وتحريضه.
فالعاشق قد يحتمل النكبة الفادحة ولا يحتمل الغض من مكانته في نفس معشوقه، والشك في هذه المكانة هو أكبر لواعج الغيرة، والحرص عليها هو أقوى أواصر المحبة، وقد يجازف بمنفعته وراحته ولا يجازف بلقاء تهمة تغض من تلك المكانة وتذيلها وتسقطها عنده وعند غيره.
فجميل صاحب النسيب الذي ضيع في سبيله بثينة كلها ليس بعجيب منه أن يعرضها لفضيحة لا تضيرها، في سبيل كرامة هواه وكرامة نسيبه وكرامة نسبه وأهله.
وقد ينبغي ذلك في الهوى العذرى أو لا ينبغي فيه ولا في هوى من الأهواء، ولكن من هو العاشق الذي يعمل ما ينبغي ولا يعمل ما دونه ؟
إنه قد يريد أن يتحامى الضرر الذي يحيق به هو ولا يملك أن يتحاماه، وقد يريد أن يدرأ الفضيحة عن نفسه ولا يملك أن يدرأها، فلا نحاسبه بما يريد، ولا بما ينبغي في عرفه وعرف الناس، وإنما نحاسبه بما يساق إليه وبما هو مغلوب عليه، وليس بمستبعد على مغلوب أن يعمل عملاً لا يرضاه ساعة عمله، وقد يأتيه وهو نافر منه ساعة يأتيه ..
#يُتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: