الادب

ليلةٌ في الصحراء

بقلم- مودّة ناصر

في الفناء الليليّ، وبعنايةِ قمرٍ فردوسيّ. في الغابةِ
البعيدة والغياب الطويل. في ضيعةِ الصحراءِ وصهيلِ الخيول هُيامًا.
باحتضانِ الصبّارِ ذاته والاعتكافِ فيها، تُرى كم مرةٍ ومرةٍ لام نفسه لأن حوافّهُ غَزَتها جُعبةُ شوك؟. أخُلِق هكذا منذ البدائيةِ أم أصابتهُ الصحراء بذلك؟. أرى بُرعم الجرح ينزفُ خلف شوكه، مع ذلك، لم يحتضنه أحد.

طفلُ الأمسِ لم يسلم مِن ألمِ الليل، لم يُخبره الليلُ أن غدًا هو شمسُ رُشدِه. كَبُر قبل أن ينعِي طفولتَه، ويبكي على أطلالها ويُرثيها. صِبا الطفولةِ همَس في قلبه: “سأُبقِي بعضي فيكَ…لكن لا تُخبِر أحدًا.”
صار لزامًا عليه أن يرعى الغنمَ في أول ليلةٍ راشدة. هَوجُ الصِبا عماهُ عن مُراقبةِ الذئب، فتَك الأخيرُ بالغنمِ وبقميصِ طفولته بعد أن خَلَص نجيًّا بأعجوبة. بلغ رُشده حينما أراد البُكاءَ ورجاهُ الخوف مُرتجفًا: لا تبكِ.
هنالِك، عبرت غيمةٌ سوداء تحمِل قول أمّه: “الرجالُ لا يبكون أبدًا.”

كان الفناءُ واسعًا ليبتلِع الطفل بصرخته المكتومة. كان مساحاتٍ شاسعةً من الضيعةِ؛ فسئم الفارسُ ولم تُطعه الخيلُ تعبًا. ورغم أن البئر على بُعد أمتارٍ، لم يروه. حينما يخونك حدسُك من فرطِ التعب. كان الفناءُ سِترًا ليواري دموع الشعراء على المحبوبة، وكان منأى لعزلةٍ أنيقة.

الصحراءُ سَكنُ الشعراء. وأتساءلُ، أتليقُ الصحراءُ أن تغدو سَكنْ؟ ربما.
لأن الشُعراء سَحرَةُ الكَلِم، يصنعون من السينِ والكافِ والنون وما يُشبههم، سَكَنًا، وسكيْنَةً وسُكون. هم مِلِكُ بَنانِ قلوبهم، وليس لهم عليها مَلَكةً أبدًا. مُعذَّبونَ بالحبِ والحَربِ والغُربة، ليصيروا قصيدةً وسيفًا.
يداوون أرواحهم بنشوةِ المجازاتِ والكنايات. وحين تتوافر الأشياءُ الباطنة تنصبُّ على الظاهرةِ؛ فتُخصِّبُ قحطها، وتُلملمُ جُرح جريحها؛ فيبتسمُ الصبّارُ من بعيد، وتصيرُ الصحراء سكنًا.

في تلك الليلةِ الراشدة،
لم يكن التقويمُ حليفي؛ اختفى القمر، لم يرافق ليلِي. وددتُ فقط أن أنظر إليه يومها، لأتأكد أن وجههُ الفردوسيَّ الباسمَ كما هو. سِرتُ وحيدًا أحمل القميص على يديّ وداخلي يسألني: أأيضًا يسيرُ الراشدون وحدهم؟. حينما أصل، سأسألُ أمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى