الادب

فِكرةٌ ما

بقلم/ حسن محمد

أوقد «الأباچورة»، جلس على المكتب، أخرج الدفتر -بيد باردة يتحسس القلم- شاردًا في اللاشيء، الكتب و الروايات.. لا جدوى!
يريد أن يقبض على فكرة ما، ليس هناك فكرةٌ جديدة؛ فكل الأفكارِ مكررة..
همس صوتٌ بداخله:
-القهوة.. القهوة.
انتفض من على الكرسي مهرولًا إلى المطبخ، كما ظن؛ أن الموقد قد انطفىء والقهوة فارت.
أخذ يدمدم في غضب:
-أهو دا اللي كان ناقص…

لا ثمة مشكلةٌ أن يُعدّ فنجانا آخر؛ فهناك بنٌ كافٍ لا بأس به؛ ولكنه يخشى توبيخ أمه، فهو -بكل تأكيد- يكره أن تغضب.

أشعل عود الثقاب؛ سيعدّ قهوة أخرى..
الأفكار تهرب وتضربه كالأمواج، ثم تتراجع وتختفي.. يريد أن يقبض على فكرة ما، القهوة! عاد من شروده خشيةً حدوث فيضان مرة أخرى، الحمدلله.
قالها متنهدًا وهو يصّب الفنجان الثالث اليوم.
الكل بالخارج؛ ليس معه أحد في البيت، حيث تعلن الساعة عن نفسها: إنها العاشرة مساءً.

مسك الفنجان على مهل، ينظر أسفله -ورائحة القهوة الذكية تشعل فتيلًا لفكرة آخرى- راجعا إلى غرفته..

-أقبل، أأنت جئت أخيرا، أقبل لاتخف!
بخوف صاح:
-من أنت؟
إنه شيء غريب، يجلس على الكرسي. يدير ظهره.
-اِقترب أكثر..
الصورة تتضح قليلًا؛ إنه حرف الألف.

-أنا الألف، أنا أفكارك، لمَ تقف! أجلس نحتسي القهوة سويًا.
نظر إلى يده القهوة.. الأرض.. ماذا؟! لقد حدث فيضان آخر.
-أنا أفكارك.. تردد الصوت مرة أخرى بينما هو شارد يفكر فيما سيحدث له من أمه، نظر إليه مشيرًا بالسبابة في موضع تهديد:

-أيها الوغد، ماذا تريد!؟ فلتذهب عني ولتتركني وشأني.
-أنت من طلبتني يا أحمق.
-أخبرني ماذا عندك إلا وا…
-أرجوك لا تغضب؛ إن غضبك يحيل عني ما جئت لك به.

إن حروف اللغة العربية (ثمانية وعشرون حرفًا) مبعثرة، فأنا البداية لها… قطع كلامه، قائلا:
-أين الجديد الذي عرفته أنا؟ أخبرني سريعًا بما لديك.
-أنا الألف بدايتك، أما عن الفكرة فلا أعرفها من الممكن أن تجدها مع حرف الباء أو مع حرف آخر وداعا.
الرسمة تتغير حرف الباء، نعم هو.

-أنا أعرف أنك الحرف الثاني بعد الوغد(أ) الأول، فلا تثرثر.
-بدايتك معي لا تبشر بالخير، لذا أنا ذاهبة، بحر، بحر.
-انتظري!
باء وراء الألف، فالدور على التاء، أين هي؟ لمَ تأخرت؟

بغضب هشم الفنجان على الأرض، شرع يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا في حين دوي صوتٌ ناعمٌ.
-تمنيت لو هدأت قليلا، أنا راحلة، تشتعل.
تـاء وراء الباء والألف، فالدور إذا على الثاء.
-ثمة مشكلة أريد أخبارك بها.
-جئت لك فقط لألقي سلاما، جميلة.
-حفيف الرياح.
-خيرٌ، أجلس لمَ تقف؟ خائف، خافت.
وها قد اختفى ليظهر حرف الدال،ثم…
-درب.
-ذئب.
-رمال، رسالة، روح، رحلت.
-زهرة.
-سلام عليك، سكون.
-شاطئ، شتاء، شاب، شباب، الصاد ثم الضاد و…
-صوت، صراخ، صامت.
-ضوء، ضل.
-طريق.
-ظلام.
-عويل، عاشق.
-غامض، غربة.
-فتاة جميلة، فمه، فلتهدأ.
-فاخبريني إن كان هناك أمرٌ، أو أن تختفي من أمامي، فلن اهدأ.
-قوية، قلب.
-كيف الوصال؟ كيف حالك؟
-لست بخيرا، لامع.
-مضطرب، مرهق.
-نيران، نجوم.
-هائم،هدير البحر.
-وحيدا، ونسا.

وقف مسرعا ليتلقف القلم في رعشة، مدونا في الدفتر:

-شابٌ في عمر العشرين عاشق وهائم بفتاة (تُدعى.. لا أدري!)، قوية وجميلة، رحلت عنه، كيف الوصالُ لروحها؟
في ذات يوم شتاء، يجلس وحيدًا مُرهقًا على رمال الشاطئ مع صوت هدير البحر، سكون وغموض الظلام، وضوء النجوم الخافت، فتشتعل نيران قلبه وحفيف الرياح يدفئه.

-شاب في عمر العشرين يصرخ، يعوي كالذئاب وفمه صامت، قد ضل الطريق، فهو يريد رسالة وونسا في دربه وغربته، فأين زهرة شبابه؟

فتاةٌ جميلةٌ تسأله:
-جئت لكَ فقط لألقي سلامًا، كيف حالكَ؟
-لستُ بخيرا، أنا مضطربٌ وخائفٌ.
-تمنيت لو هدأت قليلا، أنا راحلة.
-خيرٌ، أجلسِ لمَ تقفي؟
-أرجوك لا تغضب؛ إن غضبك يحيل عني ما جئت لك به.
-اخبريني إن كان هناك أمر أو أن تختفي من أمامي، فلن اهدأ.
-بدايتك معي لا تبشر بالخير، لذا أنا ذاهبة.
-من أنتِ، وماذا تريدين؟!
-أنا فتاة، ثمة أمرٌ أريد أخبارك به.
-أين الجديد الذي عرفته أنا؟ أخبريني سريعًا بما لديك!

-يُمنى، هذا اسمي، ألا تتذكرني؟! أنا الياء، أنا نهاية حديثك، قد جئت لألقي سلامًا وأنهي قصتك وداعًا، سأرحل ياعزيزي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى