الادب

#سندريلا_2020 (1)

الأمطار تهطل بغزارة تغسل الشوارع، تضفي عليها لمسة الشتاء الساحرة، أصوات الرعد تعلو وتتتابع، تسبح بحمد ربها كأنها أجراس إنذار لإفاقة البشر من غفلتهم، أضواء البرق تخطف الأبصار؛ فتحيل السماء المظلمة ظهرا ساطعا، الشوارع خاوية من البشر، المحال مغلقة، الحيوانات الضالة تختبئ في أوكارها من الطوفان، حتى الطيور تلوذ بأجنحة أمهاتها في أعشاش القش الهشة، أوراق الشجر تستمتع بملمس الماء، سر وجودها، والذي سيضيف جمالا على جمال لونها الأخضر؛ فتبدو أكثر زهاء مع طلوع النهار، السكون مخيم على الأجواء سوى صوت الأمطار التي تعزف ألحان الماضي بدفئه العميق.
وقفت خلف زجاج نافذة حجرتها المغتسل برذاذ المطر، تحتسي كوبا من الشاي الساخن، تتأمل هذا المشهد الرباني رائع الجمال، الذي أخذها إلى الوراء كثيرا، إلى أيام الطفولة البريئة، والرقص تحت المطر، والدبدبة بالأقدام في مياهه؛ فتتشرب شعيراتها وملابسها بدموع السماء تلك، تختلط بدموع ضحكاتها البريئة، لتعود إلى المنزل للاغتسال والالتفاف حول وجبة ساخنة مع الأسرة، وسط حكايات أبيها الشيقة وذكرياته الجميلة.
راودها الحنين إلى تلك الأيام الخوالي؛ فتحركت مشاعرها وفتحت صندوقها القديم، المكتظ بذكريات الطفولة والشباب، فأخرجت منه صورا وقصاصات ورقية بخط يدها، بقايا عرائسها المفضلة، قصص الأطفال التي كانت تقرأها؛ فتذهب معها في عالم من الأحلام، تتخيل فيه نفسها بطلة القصة، فتارة تكون ذات الرداء الأحمر، وتارة أخرى تصبح سنووايت، أو تذهب في رحلة إلى بلاد العجائب مع أليس، أو تكون عروس البحر، أو مثلا سندريلا..
سندريلا! لطالما أحبت تلك القصة، وتخيلت نفسها الفتاة الفاتنة، التي تزينت في أبهى الثياب؛ وذهبت لتراقص الأمير في الحفل؛ بلمسة من عصا الساحرة الطيبة، ثم تهرب مخلفة حذاءها خلفها فيستدل به الأمير عليها، ليتزوجها ويعيشان في تبات ونبات، هكذا كانت نهاية القصة الشهيرة، ويبدو أن هذه الليلة الممطرة ساحرة الجمال، لم تحيي ذكريات طفولتها وحسب، بل أحيت معها فضول الطفلة الساكنة داخلها، فراحت تتساءل:
ترى كيف كانت حياة سندريلا بعد الزواج؟! هل دامت تلك السعادة الحالمة، أم واجهت عواصف هددت هدوئها؟! هل نالت منها علامات التقدم في السن، أم ظلت الفتاة الفاتنة حلم الأمير الوسيم؟! وإن عاشت سندريلا بطلة الحكاية الرومانسية الأشهر في زمننا هذا، كيف كانت ستكون حياتها؟!
ابتسمت ابتسامة عريضة لتلك الخواطر الطفولية قائلة:
“يبدو أنه حان وقت النوم، فقد أصبحت أفكر في خيالات افتراضية مضحكة.”
فذهبت إلى فراشها، التحفت بغطائها الوثير، وراحت في سبات عميييق

.يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى