مقالات

حواديت (١)

بقلم: نرمين دميس
على رصيف محطة القطار، كنت أنتظر كعادتي مع جموع الناس، قطار الخامسة والثلث صباحا، والمعروف “بقطار الصحافة”؛ حيث كان مختصا بنقل الصحف اليومية، قبل أن يصبح قطارا للركاب، انقطعت كل صلة له بصاحبة الجلالة، ولم يعد يحمل إلا اللقب فقط.
كنت طالبة بإحدى الكليات النظرية، أقطن في إحدى مدن الأقاليم، وقد اعتدت السفر إلى الكلية بالقطار المكيف عدا أيام محاضرات السابعة والنصف صباحا، والذي لم يكن متاحا للحاق بها إلا قطار الصحافة هذا، فكان ركوبه مغامرة يومية.
مازال الظلام مخيما على أنحاء المحطة؛ فالشمس لم تبعث بخيوط أشعتها الذهبية بعد، فبدونا جميعا كظلال لأشخاص غير واضحي الملامح والقسمات، أتى القطار القديم المتهالك، الخارج من الخدمة ، كورقة مقطوعة من كتاب؛ لم يعد لها قيمة إلا في لف الساندوتشات أو قراطيس المسليات؛ فالنوافذ مهشمة، الأبواب صدئة، المقاعد متهالكة، العربات مظلمة، تتخللها إنارة ضعيفة من ثنايا النوافذ المطلية بالأتربة والشحوم، أزيز الشبابيك غير المحكمة شديد الازعاج، فيالها من مزحة سخيفة! أن يتهالك قطار لنقل الصحف؛ فيصبح قطارا لنقل الأرواح.
تدافع الجميع على أبواب عربات القطار؛ فالكل يطمع في الحصول على مقعد يكمل عليه نومه، فالتذكرة رخيصة الثمن، والمقاعد لصاحب النفس الطويل، والأسرع في الوصول، أما أنا فلم أكن طرفا في هذه المنافسة غير المتكافئة، كنت أدخل مع آخر الركاب، فإما أن أجد مقعدا بالصدفة، أو يتنازل لي شاب شهم عن مقعده، هذا إن وجد للأسف.
أغلب ركاب هذا القطار من الفئات الاجتماعية البسيطة الغالبة في مجتمعنا، كان من بينهم وجوه اعتدت رؤيتها؛ فهم يركبون نفس القطار كل يوم، لكنني لم أعبأ يوما بالتأمل فيهم، أو الاهتمام بهم؛ خاصة مع رغبتي في الاسترخاء؛ لتعويض قسط النوم الناقص.
سار القطار يقطع القرى والمدن، تتلخلخ عرباته فوق القضبان، معلنة تقادمها ورغبتها في التخريد، كرجل مسن يمشي خطوات متعثرة، مستندا إلى عصا في يده، مقاوما عجزه وتقدم سنه، من باب حلاوة الروح.
في منتصف الطريق الزراعي ، بالقرب من إحدى القرى، هدأ سير القطار حتى توقف فجأة، علمنا بعدها أن عطلا أصابه، وأنه أمامنا وقت للتغلب على المشكلة؛ فاستاء الجميع، وانطلقت عبارات التذمر والضيق:
– لم نسافر قبل طلوع الشمس، لنتعطل في النهاية عن مصالحنا، إلى متى سيستمر هذا الحال؟!
بعد وقت قصير من الهرج والمرج والصياح بلا جدوى، استسلم الجميع للأمر الواقع، داعين الله أن ينتهي الأمر سريعا، راح كل منهم يقطع الوقت بطريقته الخاصة، منهم من خلدوا إلى النوم، ومن راحوا يطالعون الصحف اليومية، وغيرهم يتناولون افطارهم من ساندوتشات الفول والفلافل الساخنة، التي اشتروها من المحطة قبل ركوب القطار، وطائفة أخرى أخذت تتجاذب أطراف الحديث، تقص ظروفها ونتائج هذا التأخير.
فقد كنا في أوائل التسعينيات، لم تكن التكنولوجيا والأجهزة المحمولة، وشبكات الانترنت، قد اجتاحت مجتمعنا المصري بعد، ليدس كل منهم عينيه في جهازه كما يحدث الآن، أو حتى يجري اتصالا هاتفيا؛ للاعتذار أو الابلاغ عن التأخير، أما أنا، فقد سنحت لي الفرصة هذه المرة، لأتأمل هؤلاء الأشخاص، أحلل أنماطهم؛ فبدا لي الأمر كمشهد سينمائي لفيلم واقعي.
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى