الادب

الصبحُ من خلف الكواليس

بقلم- مودّة ناصر
تمرُّ الأيام وتضعُنا بين شدقيها، العادةُ والنسيان. الأخيرُ
ليس هبةً دائمة، عندما ينسى المرأُ نفسَهُ؛ فيُمسي ليلَهُ محاولاً التعرّف على نفسِه كالغريب، تلك التي تغتربُ عنك حينًا فتُصاب بالجنونِ والخوف.
الصباحاتُ التي نستيقظ فيها وفي أعيننا أثر البكاء، نصحو عندما يدقُّ القلب راجفًا -فجأةً- ليُذكِركَ بحريقِ أمس، كنتَ شاهد عيانهُ الوحيد. أنتَ مَن رأيت، وأنتَ منَ احترقت، وتمنيتَ أن يبعثَ اللهُ غرابًا ليواري سوءتك ويدفِنُك في أرضِ النسيان.
الصباحاتُ التي تسقي فيها زرعتَك الوحيدةُ والحبيبة، كأنكَ مصابٌ بمتلازمةِ العناية؛ تُحبُّ الاعتناء بروح، وأن تحيا لروح، وتهِب لها الحياة. تُرى هل تشعرُ الزرعةُ بمزيجِ الدمعِ والماء التي تُسقى به؟. أشعرُ وكأنَّ الأخضرَ كان يتراقصُ ليحنو عليّ، لم تَكن فعلَة الريحِ وحدهُ وإنما إرادتُه.
تلك الصباحاتُ التي لا ترأفُ بنا أبدًا؛ فتتمثل في الحبيبِ الراحل الذي ترى أثرَهُ في جسدِ الغريبِ صُدفةً. في تلك القصيدةِ التي أبكتكَ ليلة أمسٍ لتسمعها في الشوارعِ صباح اليوم التالي. حينما يقولُ عبد الوهاب بحنجرتهِ -التي تبحُّ الحنينَ والحزن الشجين-: “لما انتَ ناوي تغيب على طول، مش كنت آخر مرة تقول، لما انت ناوي… لما انت ناوي..”، حينها تأتي كلُ اللقاءاتِ الأخيرة وتضعُ البكاءَ في عينيك وتبكي، والشوقَ في راحتيك؛ وتتمنى أن تُعادَ اللقاءات جميعها.
أمضى كل تلك الصباحاتِ وحدي، فأخرجُ وابتسمُ للعالم وحدي، لأن الصباح آمرٌ بذلك.
في ذلك الصباح، لمَحتُها ولم تكن أول مرةٍ أراها فيها، اقتربت في تلك المرّة لتجلس بين غصونِ زرعتي. تبسمتْ لي فتبسمتُ لها، وفجأةً بدأت تتحدث..
اعتراني ذهولٌ أوجبني الصمت، قطعتهُ هي قائلة: لا عجب يا صغيرتي؛ فأنا أراقبكِ منذُ وقتٍ، وأشهدُ احتراقكِ كل صباح، إنه بمثابةِ الضوءِ الشجين الذي يُضيءُ العالم. ربما لهذا لا تُحبين الشمس ولا تُحبكِ، هل تعلمين؟ أراكِ حينما تلتهمين الأوراق بقلمكِ؛ فأودُّ لو أن لكِ حبيبًا وأنا زاجلكما، فأغدو رسولة الحبِّ بينكما. لستُ حمامًا زاجلاً، ولكني حمامةً ممتدٌ نسلُها من الحمامِ الذي كان يقفُ على غارِ حِراء، يحمي الحبيب وصديقه الصدّيق، حينما أنزل اللهُ سكينتهُ عليه؛ فقال تعالى “إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا” صدق الله العظيم.
لا تحزني يا صغيرتي إن الله معكِ، سينزِّلُ السكينة على قلبكِ، والحبُّ جندكِ آتٍ لا محالة، لعلهُ يُخمد حريق قلبكِ كأن لم يشتعل بالأمس.
أنا أعبرُ السماء كل يومٍ وأرى المُحيط، سألتُها عن أمر التحليق، فتبسمت وقالت: إنه لأمرٌ مدهشٌ ترونه، لأنكم لم توهبوه، ولكنَّ قدسيهَ التحليق تتجلى عندما يحلقُ المرأ من أغلالِ نفسه، يرتفعُ بقلبهِ إلى عِلٍ، وإلى كل جمال، حتى إنه ليسمو بالحزن.
حلقي من أغلالِ روحكِ يا صغيرتي، انثري الماء البارد على قلبكِ علّه يستريح.
الصباحاتُ ليست نعمةً أحيانًا ولكنها منحةٌ للنجاة.
يومًا ما ستُحبين الصباحات تلك، وأنتِ مُستندةٌ على كتفِ الحبيب، تَسقين زرعكِ الأخضرُ بالحب، هذا الذي استلقيتِ على شجونهِ الخضراء أمس.
تمضي الصباحاتُ سريعة أحيانًا،
آن وقتي لأرحل فأبحث عن رزقي، أراكِ عمّا قريب، وأراقبكِ دائمًا، ولا تنسي أمر التحليق.
طارت الحمامة وحملت قلبي معها في السماء.
مودّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى