الادب

أسرٌ جميل

بقلم-مودّة ناصر

أُقدِّسُ كل ما هو قريبٌ من القلب، كل ما يلمسُ الروح، وكل ما يقشعرُّ له البَدن وتتلألأُ له الأعين. وأنا أسيرةُ الحالةِ التي تسمو بكُلّي إلى ذلك، وهو أسرٌ جميل. زنزانةٌ روحيةٌ من نعيمٍ فردوسيّ. جنةُ الدنيا أن تُبصرَ ما لا ترى، وتشعرَ بما لا تسمع، ويهيمَ قلبُك دون حولٍ منك ولا سلطان.

أشبهُ بنسمات الصيف التي تُقبِّلُ وجنتيكَ في يومٍ حار، ورائحةٍ عتيقةٍ تُذكرُك بأيامك الخوالي. أشبهُ بشعرٍ صوفيٍّ تُخبِرُ به اللهَ أنك تُحبُّه، وقصيدةٍ درويشيةٍ عابرة تمرُّ على قلبِك ليتسنى وجهُ الحبيبة. أشبهُ بمنزلٍ عتيق يأخذك إلى بيتِ جدتك الحنونة ولهوك والطفولة.

ذلك الجمالُ الذي يمرُّ فيبعثُ الروحَ فيما حواليكْ. تبتسمُ مِرآتك لك؛ لعلك تخجلُ من عبوسِك اليوميِّ إليها.
تُناديك الجريدة، وتُجاورها القصيدة، مازالت تنتظرُك راجيةً لتُطبِّبَ بترَها؛ فتكتُب آخر بيتِها. النايُ يبكي ولا عجب، لا بُدَّ وأن تعثَّر الحديثُ بحلقهِ فاختنق. الشُرفةُ سقيمةٌ بالحنين؛ لم يزرها الأحبةُ منذ سنين.

الزنزانةُ خاليةٌ من الوَحشَة، قلبي مازال صامدًا يُحارب. سُبحان الذي خلق قلبًا في قدرِ قبضةٍ يدٍ صغيرة ويحملُ كلَّ هذا الحبَّ الكبير، لولا الحبّ لهلكنا. الحبُّ جميلٌ حليم؛ يُنعش أرواحنا المُرهقة، تُجاهد الأخيرةُ رغم وهنها؛ فتخجلُ أن ترفع رايتها البيضاء.

في كلِ مرةٍ كنتَ تحملُ الحبَّ إلى العالمِ ويخونك، في المرة الأخيرةِ تلك، وهنتَ ولم تنجُ. كان قلبُك المُحبّ ضحيةَ المعركة. جاءتك قصيدتُك وأخذت بيديك، تسنّى وجهُ الحبيبةِ يحنو عليك، وبكى النايُ كما لم يبكِ مِن قبل. وأنا ماكثٌ مِن وقتها في أسريّ الروحيً، وطني قلبي أنتمي إليه، وأُحب ما ينتمي إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى