ديني

نبذه عن عُبادة بن الصامت ” الجزء الثالث “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

نكمل الجزء الثالث مع الصحابى الجليل عبادة بن الصامت رضى الله عنه، وقد توقفنا عندما قيل أنه روى أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام، تحمل الخمر، فقال ما هذه؟ أزيت؟ قيل لا، بل خمر يباع لفلان، فأخذ شفرة من السوقِ، فقام إِليها، فلم يذر فيها رأوية إِلا بقَرها، وأبو هريرة إِذ ذاك بالشام فأرسل فلان إِلى أبي هريرة، فقال ألا تمسك عنا أخاك عبادة، أما بالغدوات، فيغدو إِلى السوقِ يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشيِ، فيقعد في المسجد ليس له عمل إِلا شتم أعراضنا وعيبنا، قال فأتاه أبو هريرة رضى الله عنه، فقال يا عبادة، ما لك ولمعاوِية؟ ذره وما حُمِّل، فقال لم تكن معنا إِذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف، والنهي عنِ المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة رضى الله عنهما، وروى أن عبادة بن الصامت مر بقرية دُمَّر، فأمر غلامه أن يقطع له سواكا من صفصاف على نهر بردى، فمضى ليفعل، ثم قال له ارجع، فإِنه إِن لا يكن بثمن، فإِنه ييبس، فيعود حطبا بثمن. وروى عن عبادة بن الصامت جمع من الصحابة منهم أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وغيرهم، كما روى عنه عدد كبير من التابعين منهم عطاء بن يسار وأحفاده وهم كثير، وإن سيرة الصحابى الجليل عبادة بن الصامت من السير الملهمة التي تؤكد أنه قد قدم خدمات جليلة للإسلام والمسلمين فمنذ اللحظة الأولى التي أسلم فيها عمل على نشر دين الله تعالى والجهاد في سبيله تعالى وتعليم الناس القرآن الكريم وأحكام الإسلام، فكان الصحابى عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، وهو صحابي جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر بالورع والزهد والتقوى، وقد كان واحدا من الأنصار الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، ولولا الهجرة لكنت من أمراء الأنصار” وقد شهد عبادة بن الصامت بيعة العقبة، وكان أحد النقباء الإثنى عشر، حيث جاء مع وفد الأنصار الأول إلى مكة المكرمة ليبايع الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان من الذين سارعوا إلى اعتناق الإسلام، وحينما كان موعد الحج في العام التالي، جاء وفد الأنصار الثاني المكون من سبعين رجلا وامرأة ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما عُرف ببيعة العقبة الثانية، وفي هذه البيعة كان عبادة بن الصامت أيضا من زعماء الوفد ونقباء الأنصار، وقد وحارب عبادة بن الصامت إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وأحد والخندق، وغيرها من غزوات رسول الله، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصدقات، وكانت عائلته الصحابى الجليل عبادة بن الصامت، قبل إسلامه، مرتبطة مع يهود بني قينقاع بالمدينة بحلف قديم، ومنذ هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، ويهودها يتظاهرون بمسالمته، حتى كانت الأيام التي تلت غزوة بدر وسبقت غزوة أحد، فشرع اليهود يتآمرون، وافتعلوا أسبابا للفتنة على المسلمين، فبادر عبادة بنبذ عهدهم وحلفهم قائلا ” إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين” وبعدها تنزل القرآن الكريم محييا موقفه وولاءه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فقال عز وجل فى كتابة الكريم فى سورة المائده ” ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون” ومن هنا لم يظل الرجل الذي نزلت هذه الآية الكريمة تحيي موقفه وتشيد بولائه وإيمانه، مجرد نقيب الأنصار في المدينة، بل أصبح نقيبا من نقباء الدين، وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رفض أن يتولى سلطة، فلم يستطع الفاروق عمر أن يحمله على قبول منصب ما، إلا تعليم الناس وتفقيههم في الدين، وفي سبيل ذلك سافر ألى الشام ثالث ثلاثة هو ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء، حيث ملأوا البلاد علما وفقها ونورا، ثم سافر إلى فلسطين حيث ولي قضاءها بعض الوقت، وكان يحكمها باسم الخليفة آنذاك، معاوية بن أبي سفيان، وكان الصحابى الجليل عبادة بن الصامت فى فتح مصر، ودخول المسلمين فيها حتى وقفوا أمام حصن بابليون، ولقد عُرف القائد المسلم عمرو بن العاص، بخبرته العسكرية الكبيرة، ودهائه الاستراتيجى الكبير، وقد وضح ذلك فى فتح المسلمين لمصر، وكان المقوقس حاكم مصر بعث إلى عمرو بن العاص رسلا. لينهاه عن دخول البلاد، واستمرار القتال، وقيل إن عمرو بن العاص حبس الرسل عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، وتساءل فى أصحابه، أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك فى دينهم، وإنما أراد عمرو بن العاص بذلك أنهم يرون حال المسلمين، ورد عمرو بن العاص الرسل بعد ذلك، ومعهم ثلاثة شروط هى دخول الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، فسأل المقوقس الرسل، كيف رأيتموهم؟ فقالوا له رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، فما كان من المقوقس أن طلب من عمرو بإرسال رسول له للتفاوض، ثم رغب المقوقس حاكم مصر، في التفاوض معهم فأرسل وفدا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدا، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة رجال من بينهم عبادة بن الصامت، وكان شديد السواد وطويلا، حتى قالوا إن طوله عشرة أشبارا، وأمره عمرو بن العاص، أن يتولى الكلام مع المقوقس، فلما دخلوا على المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت فهابه المقوقس لسواده. وقال لهم، نحّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد “إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله” فقال لهم “وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟” فقال رجل من وفد عمرو بن العاص “كلا إنه وإن كان أسودا كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا” فقال المقوقس لعبادة بن الصامت “تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي أزددت لك هيبة، فقال الصحابى الجليل عبادة، وقد رأى فزع المقوقس من السواد “إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سوادا مني” وبدأ بن الصامت حديثه إلى المقوقس، موضحا أنه ترك خلفه ألفا من أصحابه فى مثل سواده وقوته وبنيانه، وليس لهم رغبة سوى الجهاد فى سبيل الله واتباع رضوانه، فقال المقوقس لأصحابه هل سمعتم من كلام الرجل قط، لقد هبت منظره وأن قوله لأهيب عندى من منظره. إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها، فوجه المقوقس حديثه لعباده وأخبره بأن الروم يعدون جيشا لا يحصى عدده، وأنهم أى المسلمين لن يطيقوا ذلك، وعرض عليه أن يصرف لكل رجل منهم دينارين ولأميرهم مائة دينار ولخليفتهم ألف دينار، قبل أن تأتى قوة الروم الكبيرة، فرد الصحابى الجليل، بأنهم على استعداد للقتال والتضحية من أجل رضوان الله تعالى وجنته، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يتلحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذى بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاؤها ليس برخاء، وإنما النعيم والرخاء فى الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته. ويستر عورته، وتكون همته وشغله فى رضاء ربه وجهاد عدوه، وإن كم من فئة قليلة انتصرت بفضل الله، وليس أمامهم إلا الثلاث شروط التى وضعها عمرو بن العاص، لكن المقوقس رفض هو أصحابه بحجة أن تسليمهم يعنى الذل والعبودية، فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله، هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط ؟ لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها، ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال، أيها الرجل الصالح قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالى أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم. ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به، فخرج عبادة وأصحابه واستمر الحصار والقتال حتى توصل عمرو بن العاص مع المقوقس فيما بعد واتفق على دفع الجزية، فكان بداية للعهد الإسلامى فى البلاد، وقد تزوج عبادة بن الصامت من أم حرام بنت ملحان، والتي توفيت بقبرص وضريحها بالقرب من مسجد لارنكا الكبير، أما أخوه فهو أوس بن الصامت وهو زوج خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله تعالى فيها قوله تعالى فى سورة المجادلة ” قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير” وفى النهاية كما هى نهاية كل حى توفي الصحابى الجليل عبادة بن الصامت، سنة أربعة وثلاثون سنة من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مدينة الرملة بفلسطين، عن عمر ناهز الإثنين وسبعين عاما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى