ديني

نبذه عن الزبير بن العوام ” الجزء الثالث

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع الصحابى الجليل الزبير بن العوام وقد توقفنا معه عندما قالوا للزبير يوم اليرموك ألا تشد فنشد معك؟ فقال إني إن شددت كذبتم، فقالوا لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر، وقال عروة كنت أدخل أصابعى في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، وكان الزبير رضي الله عنه فارسا مقداما، وبطلا مغوارا، لم يتخلف عن مشهد واحد من المشاهد، فتراه في كل غزوة وفي كل معركة، فقد اتصف بالشجاعة الخارقة، والبطولة النادرة، والإخلاص الكامل، والتفاني لإعلاء كلمة الحق، ولقد بذل الزبير بن العوام رضي الله عنه الكثير في سبيل الله، وجعل نفسه وماله وقفا لله عز وجل، فأكرمه الله تعالى ورفعه في الدنيا والآخرة، فقد كانت عليه عمامة صفراء معتجرا بها يوم بدر، فعن عروة بن الزبير أنه قال.

كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزل جبريل عليه السلام، على سيماء الزبير، فيالها من منقبة لا توازيها الدنيا بما فيها، وقد كان الزبير يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارسان الزبير على فرس على الميمنة، والمقداد بن الأسود على فرس على الميسرة، وأما ما قاله الزبير رضي الله عنه بأنه جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد، فهذا دليل واضح على قتاله وبأسه رضى الله عنه في تلك المعركة، فقد اتصف الزبير رضي الله عنه بالثبات والعزيمة وحب الشهادة في سبيل الله تعالى، وقد وصف لنا رضي الله عنه ما فعله أبو دجانة الأنصاري في تلك الغزوة، فعندما التحم الجيشان واشتد القتال، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشحذ في همم أصحابه، ويعمل على رفع معنوياتهم، وأخذ سيفا وقال “من يأخذ مني هذا؟” فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول أنا، وكان من ضمنهم الزبير رضى الله عنه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فمن يأخذه بحقه؟” فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة، وما حقه يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم ” أن تضرب به العدو حتى ينحني ” قال أنا آخذه بحقه، فدفعه إليه، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، أي يمشي مشية المتكبر، وحين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتبختر بين الصفين، فقال صلى الله عليه وسلم “إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن” وقد وصف الزبير بن العوام ما فعله أبو دجانة يوم أحد فقال، وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وتركني، والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان من المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل منهما يدنو من صاحبه.

فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، فقلت الله ورسوله أعلم، وقال أبو إسحاق، قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس حماسا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة، وعن هشام، عن أبيه، قالت السيدة عائشة رضى الله عنها يا بن أختي كان أبواك، يعني الزبير وأبا بكر، وقرأت قول الحق سبحانه وتعالى من سورة آل عمران من “الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح” ولمّا انصرف المشركون من أحد، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا، فقال من ينتدب لهؤلاء في آثارهم، حتى يعلموا أن بنا قوة، فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار المشركين.

فسمعوا بهم فانصرفوا، وهنا يقول الله تعالى فى سورة آل عمران ” فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ” ولم يلقوا عدوا، ولما استشهد أسد الإسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في أحد جاءت أم الزبير صفية بنت بعد المطلب لتنظر إلى أخيها وقد مثل به المشركون، فجدعوا أنفه، وبقروا بطنه، وقطعوا أذنيه ومذاكيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لابنها الزبير بن العوام ” القَها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها” فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرك أن ترجعي، قالت ولم؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير بن العوام رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، قال صلى الله عليه وسلم ” خلِّ سبيلها ” فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت، واستغفرت له، وجاء في رواية عن عروة قال أخبرني أبي الزبير.

أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال فكره النبي صلى الله عليه وسلم، أن تراهم، فقال ” المرأة المرأة ” قال الزبير، فتوسمت أنها أمي صفية، قال فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال فلدمت في صدري، وكانت امرأة جلدة، قالت إليك، لا أرض لك، قال فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عزم عليك، قال فوقفت، وأخرجت ثوبين معها، فقالت هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فإذا إلى جانبه رجل من الأنصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة، قال فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له، ولقد كان الزبير بن العوام رضي الله عنه نموذج فذ في تجسيد هذه المعاني، فقد تربى في أحضان الدعوة.

على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقى الجرعات المطلوبة لتحمل أعبائها منذ شبابه الباكر، وإن موقف الزبير بن العوام رضى الله عنه، في غزوة الأحزاب يصور لنا شخصيته ونشأته على الجرأة والنصرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق ” من يأتينا بخبر بني قريظة؟” فقال الزبير أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم، ثم قال الثانية، فقال الزبير أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” لكل نبى حوارى، وحوارى الزبير” ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم “وحواري الزبير” أي خاصتي من أصحابي، وناصري، ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام، أي خلصاؤه وأنصاره؛ فالحواري هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير رضي الله عنه، ولذلك سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنه رجلا يقول أنا ابن الحواري، فقال إن كنت من ولد الزبير وإلا فلا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى