ديني

شيخ المالكية في صعيد مصر  تَرجَمة الامام أحمد بن شرقاوى رحمه الله(1) لمحات من حياته وسيرته

قَدَمَ لكم _  دكتور احمد يوسف الحلوانى
باحث في الشريعة الاسلامية
بَعد أن تُوفيَ رَسُول الله ﷺ وسَلم مَرَ ابو هريرة رضى الله عنه على جماعة فَقَال لَهُم أنتم هَا هُنا قُعود وتراث محمد يُقسَم!
فهُرِعوا إلى المسجد، ظنوا أنه التراث من ذهبٍ وفضةٍ ومالٍ ونشبٍ وما سواه من العَرض، قالوا أين هو؟ قال العلم .
علماء الأمة هم ورثة الأنبياء، وقُرَّة عين الأولياء، رفعهم الله بالعلم، وزينهم بالحِلْم، بهم يُعرف الحلالُ من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح، هم أركان الشَّريعة وحُماة العقيدة، يَنفون عن دين الله تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الضَّالين، فكم من طالبِ علمٍ علموه، وتائهٍ عن صراط الرُّشد أرشدوه، وحائرٍ عن سبيل الله بصَّروه ودلّوه.
ومن هولاء العلماء الاماجد التى نفع الله بهم العباد والبلاد في حياته وبعد مماته مولانا الإمام العارف بالله شيخ المالكية في صعيد مصر الإمام أحمد بن شرقاوى رحمه الله تعالى وقدس الله ثراء.
فهو كما ذكر حفيده فضيلة الدكتور ابوالمجد احمد ابوالوفا الشرقاوى وهو أيضاً من علماء جامعة الازهر الشريف مترجماً لجده شيخ المالكية في زمانه بالصعيد قال هو :أحمد بن شرقاوى بن مساعد بن تائب بن خلف بن يوسف بن خلف بن عبد السلام.
يَنتهى نسبهُ مِن جهة أبيه إلى الصديق رضى الله عنه، ومن جهة أمه إلى الحسين بن على رضى الله عنهما.
ويعرف عند كثير من الناس باسم(أبو المعارف)
لم يكن والده من كبار الأثرياء ، ولا من أصحاب النفوذ ، كما لم يكن من أهل الفقر والحاجة ، ونستطيع أن نصفه – بالتعبير المعاصر- بأنه كان من شريحة ضمن شرائح الطبقة المتوسطة.
كانت قرية(الخلفية)التابعة لمدينة(جرجا)موطن أجداده القدامى، ثم استقر جده السادس عبد السلام بقرية بمركز(فرشوط) بمحافظة(قنا) تدعى (دير سوادة)، واشتهرت فى عهد الشيخ أحمد بن شرقاوى باسم (دير السعادة) ، ثم سميت رسميا بعد ذلك (نجع الشيخ الشرقاوى). وبهذه القرية كانت ولادته ونشأته وحياته.
استهل حياته – كما هو الشأن فى تلك الأيام – بحفظ القرآن الكريم ببلدته،وببلدتى(فرشوط وبهجورة) القريبتين منها.
ثم تطلعت نفسه إلى العلم ، فقضى مدة من الزمن بمدينة (جرجا) ،وكانت(جرجا) فى ذلك الوقت هى مربع العلم فى صعيد مصر،عامرة بالعلماء،غنية بحلقات الدرس فى المساجد وغيرها.
تزود من العلوم خلال مدة إقامته بجرجا بقدر كاف، مقبلاً على أنوعها المختلفة من شرعية وعربية،ونقلية وعقلية.
وبانتهاء هذه الحقبة من حياته كانت شخصيته قد استوت على أساس علمى متين،وكان ذلك قبل أن يشرع فى طلب التصوف ، فقد كانت مرحلة العلم عنده سابقة على مرحلة التصوف،وهذا ما نريد أن نقف عنده، فإن من الضرورى فى رأينا أن يكون تحصيل المهم من أساسيات العلم فى فنونه المختلفة سابقا على السير فى طريق التصوف ، أو على الأقل متزامنا معه ، حتى يكون هذا الزاد العلمى مصباحا يستهدى به سالك هذا الطريق،وحصناً لهُ من الانحراف والشطط .
ونصيحتنا التى نزجيها للراغبين فى السير الصوفى:اطلبوا العلم قبل أن تطلبوا التصوف.
ثم نازعته نفسه إلى ارتياد طريق التصوف، فساقه القدر إلى العارف بالله القطب الشهير سيدى أحمد بن محمد الخضَيْرى الطهطاوى رضى الله عنه،فكان اتصاله به معلماً فاصلاً فى حياته، وكان ذلك سنة 1281 هجرية / 1864 م .وهو شيخه فى الطريق وأستاذه.
يقول فى رسالته (شمس التحقيق):<اعلم أنه لم يجتمع لى العهد والتلقين إلا على إمام زمانه ، وهمام أوانه ، صاحب الأنفاس العالية ، والنفحات المتوالية ، مَن شمس مجده مشرقة ، وحديقة مده مونقة ، بركة العصر ، وغرة الدهر، قدوتى فى سيرى: سيدى ومولاى العارف بالله السيد أحمد الخضيرى>وقد تلقى الشيخ الخضيرى عن الشيخ السّكّرى،وتلقى السكرى عن القطب أحمد الدردير رضى الله عنهم ، فبينه وبين الإمام الدردير واسطتان فقط..
ويصف هو هذا اللقاء الأول بشيخه فى رسالته (شمس التحقيق) قائلا:<فما زلنا سائرين حتى دخلنا بلدة (طهطا)أ تاح الله لها كل خير، وأماط عنها كل أذى وضير، فسألنا عن حضرته فقيل لنا: ذهب لصلاة الجمعة بالمسجد الفلانى، فلما دخلنا من باب ذلك المسجد فإذا الأستاذ جالس كأنه كوكب متوقد، فجلسنا خلفه وجلين من الرد، فزعين من خشية الصد،لأنه رضى الله عنه كان مشهورا برد أكثر الواردين عليه، ومنع أكثر الطالبين لما لديه، فصرت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وكلما تقدمت لطلب المراد رجعت القهقرى، ثم ارتكبت الخطر،وطلبت ذلك منه، فأجابنى رضى الله عنه بطلاقة وجهه البسيم، وعطف علينا عطف الوالد الرحيم ، ولقننا واحداً بعد واحد،وعلينا تلوح أنوار تلك المشاهد>
وهو يعنى ما يعرف عند الصوفية بالتلقين، وبعد هذه البداية المشتملة على التلقين وأخذ العهد تجيىء المرحلة التالية وهى تدريج الشيخ لمريده فى الأسماء السبعة المعروفة فى الطريق، وهى(قوى-الله-هو- حق-حى-قيوم-قهار)وذلك بنظام معين وحسب حال كل مريد.
ولتوضيح ذلك نقول:إن عوائق النفس عند أهل التصوف،وحجبها التى تحول بينها وبين الوصول إلى الله ، وتمتعها بالقرب منه سبحانه مراتب ست، وتلك هى أمراضها المقصودة بالمداواة،وقد اختار القوم لكل قسم من هذه الأقسام الستة اسماً مخصوصاً من أسمائه تعالى يناسب ذلك القسم ، ثم جعلوا الاسم السابع بمثابة تقوية للسالك ، أو مناعة يتأكد بها تباعده عن تلك الأمراض، فهو سياج يتمم تحصينه من عودة تلك الأمراض لنفسه مرة أخرى.
(وللحديث بقية عن شيخ المالكية في صعيد مصر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى