مقالات

الفاتح عمرو بن العاص ” الجزء الخامس “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الخامس مع الصحابى الجليل والقائد المغوار داهية وأرطبون العرب عمرو بن العاص وقد توقفنا معه عندما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم إلى سرية لهدم صنم سواع وكان ذلك في شهر رمضان فى السنة الثامنة من الهجره، وكان ذلك بعد فتح مكة، وفي شهر ذي الحجة سنة ثمانى من الهجرة، فقد بعثه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى ملكي عمان جيفر وعباد ابني الجلندي بكتاب يدعوهما إلى الإسلام، وبعد إسلامهم عيَّنه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، واليا على الزكاة والصدقات بها، وظل هناك سنتين تقريبا حتى وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد استعمله أبو بكر الصديق رضى الله عنه، قائدا عسكريا في حروب الردة، ثم وجَّهه لفتح فلسطين على رأس ستة أو سبعة آلاف مقاتل، فبدأ المناوشات في فلسطين، والتقى تحت قيادة القائد خالد بن الوليد في معركة أجنادين، وشارك في معركة فحل وحصار دمشق.
وكان على رأس الميمنة في معركة اليرموك، ثم فتح سبسطية ونابلس، واللد ونواحيها ويبنى وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبا ففتح رفح، وعسقلان، وكان قد فتح غزة في عهد أبي بكرالصديق رضى الله عنه، وقد حاصر قيسارية، وبدأ حصار بيت المقدس ثم انضم إليه أبو عبيدة بن الجراح، فأصبح تحت قيادة أبي عبيدة، ولما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلفه على الشام، وقد عرض عمرو بن العاص على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فتح مصر وطلب السماح له بالمسير إليها، فسار إليها ففتح العريش، حتى وصل إلى الفرما، ثم سار إلى بلبيس، وفتح خلال سيره سنهور وتنيس، وقد طلب من الخليفه عمر بن الخطاب المدد فأرسل له فرقة بقيادة الزبير بن العوام، ثم سيطروا على إقليم الفيوم، وقد عسكر في عين شمس، وقد جرت معركة عين شمس، وحاصر حصن بابليون حتى سقط في أيديهم في واحد وعشرين من شهر ربيع الآخر فى سنة عشرين من الهجرة.
وقد أعطى أهل مصر الأمان، ثم ذهب لفتح الإسكندرية، وحاصرها وانتهى باتفاق صلح، وخرج منها البيزنطيون في أول محرم فى سنة واحد وعشرين من الهجرة، وقد أعطى أهلها الأمان، وأصبح عمرو بن العاص رضى الله عنه، هو أول والى مسلم على مصر، وقد أنشأ مدينة الفسطاط، وبنى فيها أول جامعٍ في مصر وقد عرف هذا الجامع بإسمه فيما بعد، وقد عزله الخليفة الراشد عثمان بن عفان عن ولاية مصر فى العام الرابع والعشرين من الهجرة، وقد ذكر عن عزل عمرو بن العاص عن مصر فقالوا، توفي عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ومصرعلى أميرين، وهما عمرو بن العاص بأسفل الأرض وعبدالله بن سعد بن أبي سرح على الصعيد وقيل وكانت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وعن سعيد بن عفير قال، إنما كان عمر بن الخطاب ولى عبد الله بن سعد بن أبى السرح، من الصعيد، الفيوم.
فلما استخلف الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، فقيل أنه قد طمع عمرو بن العاص لما رأى من لين الخليفة عثمان بن عفان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد فى مصر، فوفد إليه وكلمه في ذلك فقال له عثمان، قد ولاه الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصة، وقد علمت أنه أخي من الرضاعة فكيف أعزله عما ولاه غيري، وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير إنك لفي غفلة عما كانت تصنع بي أمه، إن كانت لتخبأ لي العرق من اللحم في ردنها حتى آتي، وقال ثم رجع إلى حديث الليث بن سعد فقال فغضب عمرو بن العاص وقال لست راجعا إلا على ذلك فكتب عثمان بن عفان، إلى عبد الله بن سعد يؤمره على مصر كلها، فجاءه الكتاب بالفيوم، فقال ابن عفير بقرية منها تدعى دموشة، فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبحوا به الفسطاط في مركبه وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير.
فقدموا به الفسطاط قبل الصبح فأرسل إلى المؤذن فأقام الصلاة حين طلع الفجر وعبد الله بن عمرو بن العاص، ينتظر المؤذن يدعوه إلى الصلاة لأنه خليفة أبيه فاستنكر الإقامة فقيل له صلى عبد الله بن سعد بالناس وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربي المسجد بين يديه شمعة، وأقبل عبد الله بن عمرو بن العاص، من نحو داره بين يديه شمعة فالتقت الشمعتان عند القبلة، فأقبل عبد الله بن عمرو، حتى وقف على عبد الله بن سعد فقال هذا بغيك ودسك فقال عبد الله بن سعد ما فعلت، وقد كنت أنت وأبوك تحسداني على الصعيد فتعال حتى أوليك الصعيد وأولي أباك أسفل الأرض ولا أحسدكما عليه فلبث عبد الله بن سعد بن أبى السرح، عليها أميرا محمودا وغزا فيها ثلاث غزوات كلهن لها شأن وقد ذكر أفريقية والأوساد ويوم ذي الصواري، وكان عزل عمرو بن العاص عن مصر، وتولية عبدالله بن سعد في سنة خمس وعشرين من الهجرة.
وقد قيل إن الكثير من الخلفاء والولاة لم يفرقوا بين المال العام ومالهم، فكان الواحد منهم قائما على مال الله وعلى ماله وكأنهما شىء واحد، فهذا بيت مال المسلمين فى يد عثمان بن عفان، يغدق منه على أرحامه، وفى يد معاوية بن أبى سفيان يعتبره هبة الله، يهب من بنى أمية ما يشاء، وهذا الوليد بن عقبة فى الكوفة يغرف منه كما يريد، وهذا ابن عباس فى البصرة يحمل منه الجمال فى خفارة أقربائه هاربا إلى حمى مكة، وهذا أبوهريرة رضى الله عنهن يعزله عمربن الخطاب رضى الله عنه، من ولاية البحرين، بعد ما عرف وسمع عنه، وهذا عمرو بن العاص فى مصر الضيعة، لا يفيق إلا لحظة الموت على تلال الذهب التى اختصها لنفسه، ساعتها أحس أنها هباء منثور، ولم يكن العزل من الولاية إلا بسبب التقصير فى جمع الخراج أو الجزية، ولقد عزل الخليفة عثمان بن عفان، الوالى عمرو بن العاص من ولاية مصر الضيعة، لتقصيره فى جمع ما يريده ويأمله منه.
وكان أكثر مما كان مقدرا، وما يتحمله أهلها، فقد عزله عثمان بن عفان وقيل أنه كان يجمع من الضيعة أربعة عشر مليون دينار ضريبة الرؤوس فقط، ويرسلها للخليفة توزع فى المدينة، ولما عين عبدالله بن أبى السرح أمر الضيعة، جمع من أهلها أربعة أضعاف ما كان يجمعه عمرو، فلما عاير عثمان بن عفان، عمرو بما تفوق عليه ابن أبى السرح فيما جمعه من المال، وقال له درت ألبانها، رد عليه عمرو ” ذاك بما أعجفتم أولادها ” فلما تولاها فى عهد معاوية بن أبى سفيان، ورد إليه اعتباره، أوقف معاوية الضيعة كاملة وأهلها له، يجمع ما يقدر عليه، واشترط له ألا يرسل منها أموالا إلى الخليفة فى دمشق، فلما احتاج معاوية من ضيعة مصر أموالا لسداد رواتب الجند واحتياجات الخلافة وعطايا القرشيين، فى عام قل فيه الخراج وعزت فيه الجباية، وأرسل يطلب منه الغوث والنجدة، ويعطيه بعضا من خراج ضيعته، لم يفعل ولم يستجب أو يلب، وذكره بالشرط الذى اشترطه عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى