الادب

حواديت(3)

بقلم _  نرمين دميس

على المقعد المقابل، جلس مجموعة من العمال، بدا من حديثهم أنهم عمال محارة ونقاشة، وتركيب سيراميك، يقومون بتشطيب شقة لضابط ذي رتبة كبيرة بالداخلية، يقولون أنه بالرغم من حزمه وكثرة طلباته وتعديلاته، إلا أنه كريم اليد، يعطي بسخاء، وسيأتي من ورائه خير كثير، يستحق السفر والعناء، وهم قلقون أن يغضب لهذا التأخير؛ فيخصم من اليومية أو تطير منهم المقاولة بالكامل.
قطع حبل تأملاتي وخيالاتي صوت البائع المتجول بالقطار، حاملا جردله الثقيل، الممتلئ بزجاجات المياه الغازية المدفونة وسط مكعبات كبيرة من الثلج؛ لتحافظ على شئ من برودتها، يطرق عليه بفتاحة الزجاجات، محدثا نغمة مرحة رنانة، تجذب انتباه الراكب مناديا:
_ الساقع وصل، مين عاوز يطري على قلبه ويقول هات؟!
يظل يدور بين العربات مناديا وممازحا الركاب، مكونا صداقات مع المعتادين منهم ركوب هذا القطار يوميا، حتى أنهم أصبح يعرفهم ويعرفونه بالاسم.
جذب انتباهي وسط كل هؤلاء البسطاء، رجل أنيق المظهر، مهندم الثياب، مصفف الشعر بعناية، يفصح لمعان حذائه عن اهتمامه البالغ بمظهره، وعلو طبقته الاجتماعية، وأن موعده المبكر فقط هو ما ورطه في استقلال هذا القطار، لذا فهو طوال الوقت مستاء من الزحام والضجيج، يلعن اللحظة التي تعطل فيها القطار؛ فأطالت مقامه في هذه الأجواء، ينظر إلى المحيطين في كبر وتعال، شاكيا في نفسه ظروف القطار المتردية، يثور غضبا إن زاحمه طفل أو حقيبة ثقيلة.
ظللت أتأمل تلك الوجوه والأنماط، المنطوية على عوالم داخلها، عوالم تختلف ظروفها ومشكلاتها وحتى أحلامها، فلكل منهم حياته التي يعيشها بحلوها ومرها، وله غده الذي يحلم به، لكن القاسم المشترك بينهم جميعا، هو أن يكون الغد أفضل من اليوم.
وسط تلك الأفكار المتزاحمة في رأسي، أتاني صوت كمسري القطار صائحا:
– الحمد لله، أبشروا، فقد تم إصلاح العطل، سنتحرك خلال دقائق معدودة.
وبالفعل بدأ القطار في السير رويدا رويدا، بسرعة متدرجة حتى سار بسرعته المعتادة؛ فتهللت الأسارير، وهدأت النفوس، فأخيرا انتهت الأزمة، راح كل منهم يفكر في كيفية تعويض هذا التأخير، أو تبريره إن أمكن عند الوصول، كل على حسب ظروفه.
دخل القطار المحطة، بدأ ركابه يستعدون للنزول مسرعين، يحملون أمتعتهم، يصطفون قرب باب العربة؛ للتحرك فور توقف القطار؛ فهم في عرض دقيقة واحدة.
أما أنا فلم أكن في عجلة من أمري مثلهم، فقد فاتتني المحاضرة بالفعل، ولن أستطيع دخولها في المنتصف، بل سأضطر إلى الانتظار في كافيتيريا الكلية، حتى موعد المحاضرة التالية، ولكن لا شك أنني كنت أسعدهم بالتجربة، فقد أعطتني فرصة الاقتراب منهم ولو لبرهة من الوقت؛ لأعلم أن الدنيا تمتلئ بالكادحين الصابرين، المعاندين لظروفهم، المؤمنين بقضاء الله وقدره، وأن لكل منا نصيبه المكتوب من الرزق، ومن السعادة أو الشقاء.
نزلت من القطار ، وقد عزمت على أمر واحد، أن أكتب قصصهم وحكاياتهم، أمزج أحلامهم المبتورة؛ أتخيل نهاية سعيدة لهذه الأحلام، وتلك القصص، النهاية التي يستحقونها.
فإن لم تصبح تلك النهاية السعيدة واقعا ملموسا ذات يوم؛ أكون قد أعطيتهم الفرصة لتحقيقها، حتى وإن كان على الورق.

#تمت
#من المجموعة القصصية “حواديت 2020”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: