مقالات

التصـــالــح النفســـى

Self-reconciliation
By the Egyptian writer
Dr. Tarek Radwan Gomaa
قال تعالى : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى). الرجل من صنع المرأة فإذا أردتم رجالاً عظاماً فعليكم بالمرأة تعلمونها ما هي عظمة النفس وما هي الفضيلة. وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من الهنات التي تزري به. مٌقتضى الإيمان أن يعرف المرء لنفسه حدودًا يقف عندها.. ومعالم ينتهي إليها.
أصبحت أغلب الأعمال الفنية سواء كانت أدبية أم تليفزيونية ممتلئة بشخصيات مسممة و مضطربة و أحيانًاً مريضة نفسيًا. وتم ربط (الإكتئاب( و)الشيزوفرينيا (بالإبداع و ربط [السيكوباتية] بالذكاء و المهارات إلى أن أصبحوا في عيون البعض – خاصة المراهقين و الشباب – وجهان لعملة واحدة. بينما دورالأدب هو أن يؤدي إلي تغيير إنساني يجعل الإنسان أكثر رقيا وأكثر رحابة ويعمل على زيادة معرفة النفس البشرية، كما يجعل الإنسان يفهم الآخرين قبل الحكم عليهم.
في المجتمعات الحديثة أصبح الاشخاص الأكثر معاناة و ذوي القصص المأساوية أكثر أهمية و إثارة من هؤلاء ذوي الحياة العادية، أصبح الألم و المرض النفسي طريق الإبداع و النجاح الوحيد أو على الأقل الأسرع. أصبح الألم محاط بهالة من التقديس و الرومانسية أعمتنا عن حقيقة التعايش و محاربة المرض النفسي المظلمة و القاسية جدا.
لهذا نرى العديد من المراهقين على وسائل التواصل الإجتماعي ينشرون صور و عبارات مليئة بكره الذات و احتقارها أحيانًا و في أحيانًا أخرى مليئة بعبارات تمجد الحزن و الاكتئاب بل يصل الأمر إلى تمجيد الانتحار! الآن نرى مراهقين ينجرفون مع مشاعرهم و يتجهون إلى سلوكيات إيذاء النفس و تدميرها دون تفكير بدل طلب المساعدة من المختصين.
“كلما ازدادت معاناتك كلما كان لحياتك قيمة”
هذه هي الرسالة التي تصل لأذهان الشباب عندما يقرأون عن فان جوخ -مثلا- الذي قضى حياته بين المصحات النفسية و الحانات الرخيصة شاردًا و وحيدًا، و لم يبع في تلك الحياة التي انتهت بالانتحار سوى لوحة واحدة!
لم يكن فان جوخ فنان سابق لزمانه بقدر ما كان مريض نفسي يحتاج مساعدة. بالطبع كان فنان موهوب جدا و لكن هذه الموهبة ليست على اتصال مباشر بمرضه النفسي.
الأمر لا يقتصر على فان جوخ فقط، فالقائمة تمتد لتشمل سيلفيا بلاث، ارنست هيمنجواي، فريدا كاهلوا، ادفارد مونك و غيرهم من الشعراء و الكتاب و الفنانين الذين يحبهم الناس لمأساتهم على الأغلب و ليس إنتاجهم الفني أو بصيغة أخرى: لم يكن لهؤلاء أن يحظوا بتلك الشهرة دون معاناتهم. و الشهرة تختلف بالطبع عن الموهبة، فالترابط لا يعني السببية بالضرورة، فحتى الأبحاث التي حاولت أن تجد علاقة بين المرض النفسي و الإبداع ليست دقيقة أو شاملة و لا تقر أغلب الأوقات بوجود علاقة بينهم على الإطلاق.
يجب أن نحكي قصص جديدة ابطالها أذكياء، مبدعين، و موهوبين و في نفس الوقت أصحاء نفسيًا..
يجب أن ننشر نماذج تحمل جزء من الإيجابية في مواجهة العالم. ليس المقصود بالإيجابية هنا التفاؤل الساذج الذي يرغم الإنسان على تجاهل المعطيات حوله، بل الإيجابية التي تجعلنا نطلب المساعدة إن تطلب الأمر .
الإكتئاب ليس بدعة وليدة العصر الحديث او انه نتيجة لتعقد الحياة و التطور السريع بل انه قديم بقدم الانسان منذ العصور السحيقة .حيث ذكرت أضخم وثيقة طبية فرعونية العديد من الأعراض النفسية و العقلية .. و فى الجزء الرابع منها (كتاب القلب) تطرقت الى وصفات تفصيلية لحالات الإكتئاب ،و وصفوا الاكتئاب فى كثير من الروايات .. منها الأتى :
الان ..الموت بالنسبة لى كالصحة للمريض, كرائحة زهرة اللوتس, كرغبة الرجل فى ان يرى داره بعد سنوات من الاسر”
فالنفس هي الروح والجسد والدم، وهي القوة والنشاط التي تميز الإنسان، وتسيطر على حركاته وهي القوة التي يحيا بها الكائن الحي. ليس الحزن إلا صدأ يغشى النفس.. والعمل بنشاط هو الذي ينقي النفس ويصقلها ويخلصها من أحزانها. حين يشتد الوجع، ويتصاعد الألم، ليس هناك علاج فوري وفاعل مثل وصفة الصبر والصلاة لتهدأ النفس وتعود إلى طبيعتها. فالإنتصار على النفس هو أعظم إنتصار. جرب إلا تشمت ولا تكره ولا تحقد ولا تحسد ولا تيأس ولا تتشاءم.. وسوف تلمس بنفسك النتيجة المذهلة .. سوف ترى أنك يمكن أن تشفى من أمراضك بالفعل.
إن الذات السلبية في الإنسان هي التي تغضب وتأخذ بالثأر وتعاقب بينما الطبيعة الحقيقية للإنسان هي النقاء وسماحة النفس والصفاء والتسامح مع الآخرين. فالقوي من حكم غيره، والعظيم من حكم نفسه.
إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها بالإحساس مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنهما.
إن شر ما في النفس البشرية هي أنها تعتاد الفضل من صاحب الفضل، فلا تعود تراه فضلا. لماذا لا يتسامح الناس مع أنفسهم ومع دواخلهم قبل أن يتسامحوا مع غيرهم ، ومن ثم يأتي التسامح مع الغير فتحقيق معادلة التصالح الداخلي؟ هذا ما ناقشه أفلاطون فى “جمهوريته”. ومن لم يستشعر التسامح الداخلي ، لم يذق طعم الراحة والطمأنينة والوداعة ، فالعاجز عن تحقيق التسامح مع داخله لن يكون قادرا على تحقيق التصالح أو التسامح مع الآخرين. يقول الله عز وجل : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) .
إن النفوس تتطلع وتزعج صاحبها وتشاغبه كي يجيبها إلى ما تريد ، وتلح عليه إذا حاول تجنبها ، وما ينتصر على هواه ، ولا يتصالح مع نفسه إلا امرؤ قوي الإرادة واثق العزم معان من الله. فكلما زاد التواصل بين العقل والقلب والروح، أنار الإنسان تلك الطاقة الداخلية والكامنة بداخله والتي نطلق عليها “السلام الداخلي”. وبناءاً عليه، فإن من يتمتع بالمصالحة مع الذات هو أكثر الناس قدرة على تقبل نقاط الضعف في الآخرين، ونواقصهم، بل ومساعدتهم في تخطي ما يواجهونه من أزمات بصورة إيجابية وقوية، وخير مثال لذلك نبى الله يوسف الصديق.
الصراعات غريزة الإنسان، ففي نفس الفلاسفة قامت ملايين الصراعات وفي نفس كل إنسان صراعات. لعل أقرب صراع هو قصة حمزة بن عبد المطلب – رضي الله عنه – بعد أن قال لأبو جهل ذات يوم “أتسُبَّه وأنا على دينه؟! “، حمزة قال هذه الجملة على غير إرادة منه. حتى أنه رضي الله عنه جلس طوال الليل يدعوا ” اللهم إن كان ما صنعت خيراً فأجعل تصديقه في قلبي، وإلا فأجعل لي منه مخرجاً”.
و أخيراً، تأتى أهمية التصالح مع الذات حيث أنها تفيض إلى الصحة الجسدية و العقلية وتحقق التوازن النفسى. و عليك دائما ألا تفقد الأمل وأن تتذكر أن أى عقبة تتعثر بها فى طريقك ليست النهاية وإنما مجرد منعطف فى طريقك إلى النجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى