ديني

فى طريق الايمان ومع غزوة بنى قينقاع (الجزء الثانى)

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع غزوة بنى قينقاع وقد توقفنا عند سبب الغزوه وهو أن امرأة من المسلمين قصدت أحد الصاغة اليهود، فإحتال عليها اليهود في السوق لتكشف عن وجهها فأبت ذلك، فعقد أحد اليهود ثيابها من ظهرها حتى إذا قامت انكشفت عورتها، فضحك اليهود لذلك، وانتصر لها أحد المسلمين الذين كانوا في السوق، وقتل اليهودي الذي فعل بها ذلك، فغضبت اليهود لذلك فقتلت المسلم، وحين علم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم،بالخبر حاصر اليهود في حصونهم خمسة عشر ليلةً، حتى استسلموا ونزلوا لحُكمه، وتشفعه عبد الله بن أبي بن سلول، وألح عليه في ذلك بزعم أنهم مواليه، فتركهم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم،حين رأى إلحاحه في ذلك، وأجلاهم إلى منطقة أذرعات من أرض الشام، واستولى المسلمون على أموالهم، ولم تكن عندهم أراض، لأنّهم كانوا مجرد صاغة في أسواق المدينة.

وكان في داخل المدينة المنورة ثلاث قبائل لليهود، وهم قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة، وفي شمال المدينة المنورة يقع تجمع ضخم لليهود هو تجمع خيبر، وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، معاهدة مع اليهود، وقد حاولوا مرارا وتكرارا أن يخالفوا هذه المعاهدات، وأن ينقضوا الميثاق، وتحدثوا كثيرا بالسوء، ليس فقط عن الصحابة الكرام، وليس فقط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل عن رب العالمين وتطاولوا كثيرا في هذه الكلمات، لكن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كان يضبط النفس، ويتحكم قدر المستطاع في أن يمنع الصحابة الكرام من الصدام المباشر مع اليهود، لأن الوضع في المدينة المنورة لم يكن مستقرا، ولكن بعد انتصار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمين في بدر، رجع صلى الله عليه وسلم وهو يرفع رأسه بعزة وقوة وبأس.

ومما لا شك فيه أن ذلك أرهب معظم الجزيرة العربية، لكن رد فعل اليهود كان غريبا، فعندما دخل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، المدينة، جمع يهود بني قينقاع وحذرهم من مغبَّة الطغيان والمخالفة المستمرة التي كانوا عليها، وقال لهم صلى الله عليه وسلم ” يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا ” وهو صلى الله عليه وسلم، بذلك لا يكرههم على الإسلام أو على الإيمان، لكنه صلى الله عليه وسلم، يوضح لهم أن قريشا لما ظاهرت على أمر الله أذلها الله تعالى، وهذا الأمر له بوادر كثيرة عند اليهود، فهم دائما يخالفون ويسيئون الأدب مع الأنبياء، بل ومع رب العالمين، ولكن رد فعل بني قينقاع كان عنيفا للغاية، وكان هناك إعلان واضح وصريح من اليهود بالحرب، ومخالفة صريحة وواضحة لبنود المعاهدة التي تنص على وقف الحرب بين الطائفتين، بل وتجعل من الواجب على اليهود أن يناصروا المسلمين.

في حربهم ضد من يغزو المدينة المنورة، سواء من قريش أو من غيرها، فهذه بدايات انشقاقات كبيرة داخل المدينة المنورة، ويصرّحون بأنهم على استعداد لحرب الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ويهدّدونه ويتوعّدونه بذلك، وقد وضح ذلك كله مع مواقف اليهود خلال السنتين السابقتين لهذا الموقف من التكذيب المستمر، والادعاء بالباطل على المسلمين وعلى آيات الله تعالى وكلام النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فلما قال يهود بني قينقاع هذا الكلام، فقد أنزل الله تعالى فى كتابة الكريم آيات بينات توضح العلاقة بين المسلمين واليهود خلال الفترة القادمة، فقال الله تعالى فى سورة آل عمران (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) وقد نزلت هذه الآيات في بني قينقاع وهى فى سورة آل عمران (قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار)

ولأن بصائر اليهود مطموسة تماما، لم يفقهوا هذه الآيات ولم يهتموا بها، فكان هذا هو الموقف بين اليهود والمسلمين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تصاعد الأمر، وهذا كله لماذا لأن امرأة من المسلمين قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها، ورفضت المرأة المسلمة ذلك، فجاء أحد اليهود من خلفها وربط طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر، وعندما وقفت انكشفت المرأة فصرخت، فجاء أحد المسلمين وقتل اليهوديَ الذي فعل ذلك، فاجتمع يهود بني قينقاع على المسلم وقتلوه، فكانت هذه بوادر أزمة ضخمة في داخل المدينة المنورة، فقد اجتمعت قبيلة بني قينقاع على قتل المسلم، بعد أن قاموا بجريمة كشف عورة المرأة المسلمة، وهنا دولة كاملة تتحرك لأجل امرأة واحدة وقد وصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الفور جمع صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام وجهّز جيشا.

وانتقل سريعا إلى حصون بني قينقاع، وحاصر الحصون وفي داخلها بنو قينقاع، وأصرَّ صلى الله عليه وسلم، على استكمال الحصار حتى ينزل اليهود على أمره، ونلاحظ في موقف النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ومدى عزة وكرامة الدولة الإسلامية، فقد حدث نوع من الامتهان لهذه الكرامة بهذه العملية الفاجرة من اليهود، فأخذ النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الأمر بمنتهى الجدّية، وانتقل بجيشه إلى حصار بني قينقاع مع احتمال سقوط دماء كثيرة؛ نتيجة القتال مع بني قينقاع وهم من أصحاب السلاح والقلاع والحصون والبأس الشديد في الحرب، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كل هذا ثمن رخيص للغاية في مقابل حفظ كرامة الدولة الإسلامية، وقد بدأ الحصار في يوم السبت نصف شوال فى السنة الثانية للهجرة، وكان ذلك بعد أقل من شهر من غزوة بدر الكبرى، وقد ظل النبى صلى الله عليه وسلم، محاصرا لبني قينقاع أسبوعين كاملين.

إلى أن ظهر هلال ذي القعدة، وقذف الله تعالى الرعب في قلوب اليهود، فنزلوا على حكم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكان حكمه صلى الله عليه وسلم، في ذلك الوقت هو قتلهم لهذه المخالفة الشنيعة التي فعلوها، ليس فقط لكشف وجه المرأة المسلمة، ولا لقتل المسلم، لكنها تراكمات طويلة جدا، فهم منذ أن دخل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهم في مخالفات مستمرة، وسب علني لله ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وللصحابة وإثارة الفتن بين المسلمين، فكان لا بد من وقفة معهم، وهكذا كان الغدر والخيانة سببا في طرد وإجلاء يهود بني قينقاع عن المدينة المنورة، وحاول عبد الله بن أبي سلول تخليصهم من خلال شفاعته عند النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم،، فقد ذهب إليه وقال” يا محمد، أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قبل الهجرة، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ” يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه.

فأدخل يده في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجذبه بقوة، فغضب النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حتى احمر وجهه وقال ” أرسلني ” فقال له ” لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني امرؤ أخشى الدوائر ” فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “هم لك ” رواه ابن إسحاق، وهنا يظهر الصحابي عبادة بن الصامت، والذي كان حليفا آخر ليهود بني قينقاع، فقد أعلن براءته من حلفائه بكل وضوح قائلا “يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ” رواه ابن إسحاق، وقد غضب النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لما وقع من يهود بني قينقاع الذي اعتبره خيانة وغدرا ونقض العهد، وجاء الموقف الذي يؤكد الضغينة والحقد الذي يحملوه اليهود، باستطالتهم على أعراض المسلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى