ديني

فى طريق الاسلام ومع صلح الحديبية (الجزء السابع)

إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السابع مع صلح الحديبية، وقد توقفنا مع سهيل بن عمرو، وكان أبو يزيد سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي، وكان خطيب قريش وفصيحهم، وهو أحد أشرافهم في قبل الإسلام، وقد قاتل سهيل بن عمرو في صفوف قريش في غزوة بدر، وتعرض للأسر ثم افتدي، ولما هم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أن يعتمر فى السنة السادسة للهجرة ومنعته قريش من أداء العمرة، وابتعثوا سهيلا للإتفاق مع النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، على شروط الصلح، ولما أقبل المسلمون يفتحون مكة، خشي سهيل على نفسه القتل، وأرسل إلى ابنه عبد الله بن سهيل ليستأمن له من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فأمّنه، وأسلم يومها سهيل، وقد خرج سهيل بعد ذلك مع المسلمين إلى حُنين، وأعطاه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

يومها مائة من الإبل من غنائم الغزوة في المؤلفة قلوبهم، وقد أقبل سهيل من يوم أن أسلم على العبادة، فأكثر من الصلاة والصوم والصدقة، وبعد وفاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فى السنة الحادية عشر من الهجرة، فقد اضطربت شبه الجزيرة العربية، وعمّت الفوضى أرجائها، وقد ارتد الكثيرون عن دين الإسلام، ولم تكن مكة بمنأى عن ذلك، حيث حاول البعض استغلال الموقف والانفصال عن سلطة المسلمين في المدينة المنورة، حتى أن عتاب بن أسيد والي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، على مكة اختفى خوفا على حياته، فما كان من سهيل بن عمرو إلا أن قام فخطب في أهل مكة خطبة بليغة يشبه محتواها محتوى خطبة أبي بكر الصديق التي ألقاها على الأنصار يوم السقيفة، فثبتت قريش على الإسلام، وعاد عتاب بن أسيد، ومع بداية الفتوح، خرج سهيل بن عمرو بأهله، جميعهم إلا ابنته هند للمشاركة في الفتح الإسلامي للشام.

وكان يوم اليرموك قائدا لأحد كتائب المسلمين في المعركة، ولم يزل سهيل بن عمرو بالشام حتى مات في طاعون عمواس بمرج الصفر فى سنة ثمانى عشر من الهجرة، وهكذا صلح الحديبية كان عهد واتفاق، تم بين المسلمين وقريش في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة قرب موضع يقال له الحديبية قبيل مكة، وذلك لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنهم يطوفون بالبيت، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، ففرحوا فرحا شديدا، فرؤيا الأنبياء حق، وقد اشتد بهم الحنين إلى تأدية النسك والطواف بالكعبة ودخول مكة، موطنهم الأول ومسقط رأسهم وعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجه أم سلمة في ألف وأربعمائة مسلم، متجهين إلى مكة لقضاء أول عمرة لهم بعد الهجرة، وحملوا معهم السلاح توقعا لشر قريش، فلما وصل إلى ذي الحليفة أهل مُحرما هو ومن معه.

وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بُسر بن سفيان إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود أفعالهم، وحين وصل المسلمون إلى عسفان وهو مكان بين مكة والمدينة، جاءهم بسر بأخبار استعدادات قريش لصد ومنع المسلمين من دخول مكة، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت، وقال ” فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال صلى الله عليه وسلم ” امضوا على اسم الله ” رواه البخاري، وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بأصحابه في عسفان صلاة الخوف، ثم سلك بهم طريقا وعرة، متجنبا الاصطدام بخالد بن الوليد وكان لا زال على الشرك حيث خرج من مكة بجنود ليمنع النبي صلى الله عليه وسلم من دخولها، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه باتجاه مكة حتى إذا اقتربوا من الحديبية بركت ناقته، فقالوا خلأت القصواء أى امتنعت عن المشي؟ فقال صلى الله عليه وسلم.

” ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ” ثم قال صلى الله عليه وسلم ” والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ” رواه البخاري، فلما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم، بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأَمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، فانطلق عثمان فمر على قريش، فقالوا إلى أين؟، فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم أنه لم يأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعة، فتبادروا إليه، وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا.

وهذه هي بيعة الرضوان التى ذكرها الله تعالى فى كتابة الكريم، وأرسلت قريش عروة بن مسعود للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أرسلت سهيل بن عمرو، لعقد الصلح ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وسلم قال” قد سهل لكم أمركم” أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلا ثم اتفقا على قواعد الصلح، وأسفرت المفاوضات عن اتفاق وهوصلح الحديبية، يقضي بأن تكون هناك هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، وأن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام فلا يقضوا العمرة إلا العام القادم، وأن يرد محمد صلى الله عليه وسلم من يأتي إليه من قريش مسلما دون علم أهله، وألا ترد قريش من يأتيها مرتدا، وأن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه وسلم من غير قريش دخل فيه، وبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو في قيوده وألقى بنفسه بين المسلمين.

فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم، للمشركين، فقال أبو جندل يا معشر المسلمين تردونى إلى المشركين يفتنونني في ديني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ” إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهدا، وإنا لا نغدر بهم ” ثم طمأنه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا” يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا” رواه أحمد، وقد وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على شروط المعاهدة، التي بدا للبعض أن فيها إجحافا وذلا للمسلمين، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ” ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ـ صلى الله عليه وسلم، بلى، فقال فَلما نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ ” رواه البخاري، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان مدركا وموقنا أن هذا الصلح سيكون فاتحة خير وبركة على المسلمين بعد ذلك، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قاصدا المدينة، ومن خلال صلح الحديبية وأحداثه، يمكن استخلاص العديد من الدروس والحِكَم، ومنها وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والانقياد والتسليم لأمره، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعض الصحابة كرهوا هذا الصلح، ورأوا في شروطه الظلم والإجحاف بالمسلمين، لكنهم ندموا على ذلك، وظلت تلك الحادثة درسا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، فكان سهل بن حنيف رضي الله عنه، يقول ” اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرددته ” وبقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، زمنا طويلا متخوفا أن ينزل الله به عقابا لما قاله يوم الحديبية، وكان يقول” فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ” وهو القائل رضي الله عنه، بعد ذلك وهو يقبل الحجر الأسود ” إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، يقبلك ما قبلتك” رواه البخاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى