الادب

روح الأماكن

بقلم: نرمين دميس

هل اعتصر قلبك يوما؛ شوقا وحنينا لمكان ما؟!
هل جرفك سيل المشاعر المختلطة تلك، والتي تعصف بك إن زرت هذا المكان؟!
هل انبعثت الذكريات متزاحمة رغما عنك، من صندوق قلبك المنغلق عليها؛ إن مررت بهذا المكان، أو حتى تذكرته؟!
هل تمنيت أن يعود الزمن إلى الوراء، فتعيش تلك الأيام الخوالي، مع من أحببت في ذات المكان؟!
نعم..فنحن نشتاق إلى الأماكن، شوقنا إلى من شاركونا فيها، فتارة ترسم ابتسامة الشوق والحنين على الوجوه، أو تسيل الدموع الدافئة من العيون تارة أخرى.
فهذا منزل العائلة، الحضن الدافئ، واحة الأمان، الحصن المنيع، الملاذ والملجأ، ملتقى الأفراح والأتراح، وتلك المدرسة التي مازالت تتردد في أصدائها، أصواتنا نغني نشيد بلادي، وهذا هو الشاطئ الذي بنينا عليه قلاع أحلامنا، وحفظت حبات رماله آثار أقدامنا، وهنا الشارع الذي شهد اللهو والضحكات، الخوف والشجارات، البراءة وأحلام الشباب والبنات.
أماكن تعلقت بها أرواحنا، حفظت في قلوبنا، فلكل ركن حكاية، وذكرى محفورة في القلب والعقل، ولكن هل سألنا أنفسنا يوما إن كانت تلك مشاعرنا، فبم تشعر الاماكن؟
أستطيع تخيل تعجب من يطالع هذا السؤال؛ فهل تشعر الاماكن حقا؟! وهل للأماكن أرواح تفرح وتحزن، تفتقد وتشتاق؟!
قد لا يكون للأماكن أرواح في حقيقتها، ولكنها تستمد روحها الهائمة في مخيلتنا، وقلبها النابض في وجداننا، من تلك اللحظات التي قضيناها فيها، فتحوي بعضا من روح من سكنوها.
فتجدها مشرقة مستنيرة، تشعر بالسكن والونس في وجود ساكنيها، تكاد أرجاؤها تهتز فرحا؛ عندما تتردد أصواتهم ببن جنباتها.
وتجدها مظلمة كئيبة، يكسوها الحزن والشوق والافتقاد؛ إن غابوا عنها وفارقوها، تتوق إلى اليوم الذي يعود فيه الأحباب؛ فتأتنس بهم، وترد إليها روحها المسلوبة منها.
أما إن كان الغياب بلا عودة؛ تتصبر بذكرياتهم وروائحهم، وأصداء أصواتهم ببن طيات الجدران والأركان.
نعم..للأماكن أرواح، ستظل تثرثر بقصص لم تكتب، وصدى ضحكات لن تنتهي، حتى وإن غادرناها ستبقى وفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى