الادب

أريد الطلاق

كتبت: سالي جابر

عزلةٌ ووحدةٌ فانفصالٌ عاطفيٌّ ثم بُعدٌ مكانيٌّ، كلاماتٌ تنطقُ بلسانِ حالها، لم تقررْ الزواجَ منه؛ لكنه كان عريسًا مناسبًا على حدِّ قولِ أهلها، لا تحبه، ولا تحبُّ غيرَه، إنما تمنتْ أن تُحَبَّ، تعيشُ وسطَ دائرةٍ مغلقةٍ تبدأُ وتنتهي عن نفسِ النقطةِ (الحب)، وبالفعلِ هي قصةٌ بدأتْ وانتهتْ عن نفسِ النقطةِ (المأذون).
قصةٌ بدأتْ بفرحةٍ، وانتهتْ بدموعٍ، لم تكنْ تعلمُ وقتها هل دموعُ فرحةِ الحريةِ، العيشِ بلا قيودٍ؟ أم فرحةِ اللَّحظةِ المنتظرةِ منذُ سنواتٍ؟
استيقظتْ ذاتَ يومٍ على آلامٍ بجسدها، وزُرقةٍ تتخللُ ذاك الجسدَ البائسَ دونَ سببٍ عضويٍّ واحدٍ، فنظرتْ إلى المرآةِ، وجدتْ عيوناً متورمةً، وهالاتٍ سوداءَ داكنةً، وضعتْ يدها على وجهها تلامسه، تتحسسُ الخلل، فلم تجدْ إلا دموعاً تتلألأُ متحجرةً رافضةً الخضوعَ لقلبها، استمعتْ إلي العقلِ كما استمعتْ هي إلى عقلها، ورفعتْ سماعةَ هاتفها، وارتعشتْ يدُها وهي تستخرجُ رقمه من بين الأرقام، وعندما استجابَ هو وسمعتْ منه كلمةَ (ألو) هنا فقط خضعتْ لؤلؤتانِ إلي الهبوطِ على وجنتيها، وفي غضونِ ثانيةٍ واحدةٍ مرَّ أمامَ عينيها شريطٌ يحملُ سنواتِ عمرِها معه، تألمَ جسدُها عندما تذكرتْ علاماتٍ تركتها يداهُ عليه، وتألمَ قلبها عندما خانها ودافعَ عنه ذاتَ يومٍ، فقالتْ له بدموعٍ تستجديهِ بكل عطفٍ وذلٍّ وخوفٍ: (طلقني).
رفضَ بكلِّ إباءٍ ثم قالَ أوافقُ بشرطٍ: تنازلك عن كل حقوقك.
هنا فقط قويَ قلبها واعتدلَ في جلسته، ولمعتْ القوةُ في عينيها وقالت: موافقة، متي وأين؟!
فقال: انتظري هاتفي سأحددُ المكانَ والزمانَ.
كنت معها أراقبُ صمتها وخوفها، أراقبُ تعثرَ الأحرفِ على لسانها، وعندما انتهى المأذونُ خرتْ على الأرضِ ساجدةً والدموعُ تملأُ عيونها، لم تكنْ تعلمُ أنها ستعيشُ لحظةَ سعادةٍ واحدةٍ، وأنا لم أكنْ أعلمُ أنه من الممكنِ أن يكونَ الطلاقُ أكثرَ فرحةٍ من الزواجِ.
وسألتُ نفسي: ما السببُ وراءَ ذلك؟!
كيف لشخصينِ عاشا قصةَ حبٍّ ذاتَ يومٍ، وتمنيا من الله -تعالى- طفلاً يحملُ الصفةَ قبل الاسمِ منهما؟! كيف لحبٍّ يتحولُ إلى كراهيةً بهذه البساطةِ؟! كيف تتحولُ الحياةُ بعدَ هذه النقطةِ الفاصلةِ في الحياة؟! هل استعدتْ لتحول حياتها؟ لإضافةِ لقبِ مطلقةٍ مع اسمها؟! كيف تعيش وسط مجتمع يرى أن الطلاقَ وصمةُ عارٍ وأن المطلقةَ دائماً تبحثُ عن رجلٍ ليحققَ احتياجاتها؟!
وتذكرت وسط كل هذا كم تحملت من إهانة وتهديد دون سبب، وأنها قالت لم أندم على شيءٍ سوى أنني ترددت في طلاقي، وتحملت كل هذه الإهانة منه.
فكانت دائمًا تردد “عندما يتعين عليك وضع نقطة لا تضع فاصلة”.
لم أكن أدري ماذا تقصد بهذا الجملة، إلا أنني وقت طلاقها أدركتُ أنها وضعتْ نقطةً، وتريدُ أن تفتحَ صفحةً جديدةً مع الحياةِ، تريد أن تتحولَ إلى امرأةٍ أخرى، لم تعرفها هي ذاتها.
وبعد حوالي أسبوع واحد فقط بدأت ترسم خطة جديدة لأحلامها، وكأنّ الحياةَ تبدأُ بعد الطلاق.
النساءُ أدركنَ الآنَ أن عملها ومالها هو الأمان والسند، والسبب في ذلك هو كثرة حالات الطلاق، وتهديدات الزوج، ومعاناة الزوجة بعد الطلاق.
أين رأيُ الأهلِ في الزوج؟ أين الحكمةُ في التأكيد على اختيار ألوان معينة للصالون، ونوع خشب الركنة، وكم نجفة سوف نشتري؟ قد تتشاجر العائلتان بسبب (طقم الصيني)؛ لكنهم لم يتساءلوا فيما بينهم هل نحن على مشارف حياة جديدة لشخصينِ أرادا النصيحة؟ أم أننا لا نستطيعُ أن نعطي الرأيَ السديدَ لأننا نعيشى علي موروثاتٍ قديمةٍ، والأهمُّ من اختيارِ الزوجِ هو اختيارُ الأثاثِ، والتقليدِ الأعمى لبناتِ العائلة، من شكلِ الذهبِ ونوعهِ وعددِ جراماته، التأكيدُ علي قائمة المنقولات، وربما إمضاء الزوج علي إيصال أمانة بهدف حماية البنت!
هل يعلمون أن الزوج بيده تعذيب زوجته حتى تتنازل له عن كل هذا؟!
فتاة أرادتْ الحبَّ الخامَ وتزوجتْ ووجدتْ في الحياةِ الزوجيةِ سجناً، وعندما اشتكت كان الرد سهامًا كالبردِ القارسِ في جسدِ العجائز، هكذا الحياة، ألم ومشقة وعليكِ أن تتحملي، وعندما تشتكي ضربَ زوجها لها يقولوا لها: (أحسن من مين انتي كلنا اضربنا).
أصبحت الردود غريبة، والمحاكم ممتلئة بقضايا الطلاق والخلع، كيف أصبحت الحياة هكذا، متى استحالت العشرة؟ لماذا لم ينفذوا أمر الله كما قال في كتابه العزيز “فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ”.
وكأن معشر الرجال لا يعلمون من القرآن سوى للرجل مثل حظ الأنثيين، ومثنى وثلاث ورباع، لم يحفظوا من القرآن سواهم، ولم يعلموا عن السيرة النبوية سوى عدد زوجات الرسول -عليه الصلاة والسلام- ؟
أين التطبيق الكريم لكتاب الله وسنة نبيه؟!
أين الرعاية الآمنة للأسرة؟!
أصبحت الحياة الزوجية صعبة تحتاج إلى مرشد للطرفين يوضح لهما سبل النجاح، فكلاهما من كوكب مخالف للآخر، وكل كوكب له عاداته وقوانينه الخاصة به، لا يعلمه سواه، وأصبح الكل يعاند، ليبرز عضلات قوته أمام الأخر.
نحن نحتاج إلى علم جيد بمفتاح الحياة السعيدة لزوجين في مقتبل العمر، تنتزعهم الأمواج لتلقي بهم إما إلى السماء السابعة أو إلى سابع أرض، باختيار موفق حكيم
أرجو أن تتدخل الأسرة في الاختيار، وتبتعد عن الابتزاز العاطفي للفتاة، والتوضيح الجيد بمعني زواج، وأن نعلم أن السعادة الزوجية ليست خيالاً بل علمٌ يمكن لنا أن نتدارسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى