مقالات

عيد على يكتب التجربة المصرية في التعليم

لسنا بحاجة إلى التجربة اليابانية أو حتى التجربة الدينماركية لنهضة التعليم في مصر ومن ثم نهضة مصر في شتى المجالات فمصر ولادة فقد تقدمت في شتى المجالات وحيرت عقول وقلوب الغرب بالكتاتيب التي عملت الدول الغربية على تدميرها تحت مسميات عدة ونحن نسوق للقائمين على التعليم في مصر نموذجا مشرفا للتجربة المصرية
فمن الجدير بالذكر أن الباشا محمد على والي مصر لما رأى هذه النكتة من حسين شلبي هذا قال إن في اولاد مصر نجابة وقابلية للمعرفة، فأمر ببناء مكتب (مدرسة) بحوش السراية (بالقلعة) ورتب فيه جملة من أولاد البلد، ومماليك الباشا، وجعل معلمهم حسن أفندي المعروف بالدرويش الموصلي، يقرر لهم قواعد الحساب والهندسة وعلم المقادير والقياسات، والارتفاعات. واستخرج المجهولات مع مشاركة شخص رومي (تركي) يقال له روح الدين أفندي ، بل وأشخاصا من الإفرنج، و أحضر لهم آلات هندسية متنوعة من أشغال الإنجليز ياخذون بها الأبعاد والارتفاعات والمساحة، ورتب لهم شهريات وكساوى في السنة
بمعنى إنه أول ما اهتم اهتم بأوضاع المعلم فهو المصنع الذي يفرز الرجال واستمروا على الاجتماع بهذا المكتب، وسموه مهندسخانة، في كل يوم من الصباح إلى بعد الظهيرة، ثم ينزلون إلى بيوتهم ويخرجون في بعض الأيام إلى الخلاء لتعلم مساحات الأراضي وقياساتها بالاقصاب وهو الغرض المقصود للباشا
فهذه بعينها هي مدرسة الهندسة أو المهندسخانة بما فيها من دروس الرياضة والهندسة وما إليها، وتلاميذها يتعلمون مجانا نعم مجانا وليس فقط ذلك بل و ترتب لهم رواتب شهرية وكساوى ولها أساتذة من أمثال حسن أفندي الدرويش الموصلي وروح الدين افندي “بل واشخاص من الافرنج” كما يعتبر الجبرتي.

وقد دعا الجبرتي إلى الكلام عن هذه المدرسة في ترجمة حسن افندي الدريوش المتوفى سنة 1231 هـ فقال: “لما رغب الباشا في إنشاء محل لمعرفة علم الحساب والهندسة والمساحة تعين المترجم رئيسا ومعلما لمن يكون متعلما بذلك المكتب، وذلك إنه تداخل بتحيلاته لتعليم مماليك الباشا الكتابة والحساب ونحو ذلك، ورتب له خروجا وشهرية فأكرم المعلم ونزهه عن الحاجة ومد اليد للتلاميذ ونجب تحت يده المماليك في معرفة الحسابات ونحوها، وأعجب الباشا ذلك فذاكره وحسن له بأن يفرد مكانا للتعليم، ويضم إلى مماليكه من يريد التعليم من أولاد الناس، فأمر بانشاء ذلك المكتب واحضر إليه أشياء من آلات الهندسة والمساحة والهيئة الفلكية من بلاد الانجليز وغيرهم، واستجلب من اولاد البلد ما ينيف على الثمانين شخصا من الشبان الذين فيهم قابلية التعليم، ورتبوا لكل شخص شهرية وكسوة من أخر السنة، فكان يسعى في تعجيل كسوة الفقير نكرر كسوة الفقير منهم ليتجملوا بها بين اقرانه، ويواسي من يستحق المواساة، ويشتري لهم الحمير مساعدة لطلوعهم ونزولهم إلى القلعة، فيجتمعون للتعليم في كل يوم من الصباح إلى بعد الظهر واضيف إليه أخر حضر من اسلامبول له معرفة بالحسابيات والهندسيات لتعليم من يكون اعجميا لا يعرف العربية مساعدا للمترجم في التعليم يسمى روح الدين أفندي ، فاستمر نحوا من تسعة أشهر ومات المترجم وانفرد برياسة المكتب روح الدين افندي”.

هذا ما ذكره الجبرتي، ومنه يؤخذ قطعا أن أول مدرسة للهندسة انشئت سنة 1816 بالقلعة، وبذلك تكون هذه المدرسة أول مدرسة عالية انشئت في عصر محمد علي، لأن المدارس الأخرى انشئت بعد ذلك التاريخ، ويؤخذ من كلام الجبرتي ان التعليم فيها كان مجانيا، وكانت الحكومة تؤدي رواتب شهرية لتلاميذها، وكذلك كان شانها في كل المدارس التي أنشأها ، ويفهم أيضا من كلام الجبرتي ان إنشاء هذه المدرسة راجع إلى ما ظهر من المصريين من المواهب في الكفاءة والابتكار، فان ما رأه محمد علي من حسين شلبي إذ وافق إلى هذا الاختراع، أو النكتة، كما يقول الجبرتي، جعله يفكر في إنشاء المدرسة، فحسن استعداد المصريين وذكاؤهم الفطري كانا من أعظم ما حفز همة محمد علي إلى إنشاء المدارس في مصر.

ويحصل من رواية الجبرتي ان مدرسة الهندسة كان بها مدرسون من الإفرنج، ولعل هذه المدرسة هي التي يشير إليها الأمر الصادر من محمد علي باشا بتاريخ 4 ذي الحجة سنة 1235 (12 سبتمبر سنة 1820) إلى كتخدا بك بتعيين أحد القسس لإعطاء دروس في اللغة الطليانية والهندسة لبعض تلامذتها وأن يخصص له محل للتدريس في القلعة، و يشير الأمر الصادر بتاريخ 16 سبتمبر من تلك السنة بتعيين الخواجة قسطي بمدرسة المهندسخانة لتدريس الرياضة والرسم بها.

مدرسة المهندسخانة ببولاق
والظاهر ان مدرسة القلعة لم تف على مر السنين بحاجات البلاد إلى المهندسين، أو ان برنامجها لم يكن وافيا بالمرام، فأنشأ محمد علي في سنة 1834 مدرسة أخرى للمهندسخانة في بولاق، وعين ارتين افندي أحد خريجي البعثات العلمية وكيلا لها، ثم تولى نظارتها يوسف حاككيان أفندي أحد خريجي البعثات أيضا، وفي سنة 1838 اسندت نظارتها يوسف لامبير بك لغاية سنة 1840 إذ تولاها علي مبارك بك (باشا)، وهذه المدرسة من أجل وانفع المدارس التي انشاها محمد علي باشا، ومنها تخرج عدد كبير من المهندسين الذين خدموا البلاد خدمات جليلة، ومحمود باشا الفلكي، ودقة بك، وإبراهيم بك رمضان، وأحمد بك فايد وسلامة باشا
والدرس المستفاد مما سبق أن محمد على وجه جزءًا كبيرًا من جهوده إلى إحياء العلوم والأداب في مصر، وذلك بنشر المدارس على اختلاف درجاتها، وإرسال البعثات العلمية إلى أوربا، وقد اتبع في هذا السبيل تلك الفكرة التي اتبعها في إنشاء الجيش والأسطول، ذلك أنه اقتبس النظم الأوروبية الحديثة في نشر لواء العلوم والعرفان، فأسس المدارس الحديثة، وأخذ من الحضارة الأوروبية خير ما انتجته العلوم والقرائح، فنهض بالأفكار والعلوم في مصر نهضة كبرى كانت أساس تقدم مصر العلمي الحديث
عنى محمد علي بنشر التعليم على اختلاف درجاته من عال إلى ثانوي إلى ابتدائي، ويتبين من مقارنة تاريخ المنشات العلمية أنه عنى أولا بتاسيس المدارس العالية وايفاد البعثات، ثم وجه نظره إلى التعليم الابتدائي، ونعم ما فعل، لان الامم انما تنهض اولا بالتعليم العالي الذي هو اساس النهضة العلمية.
الدرس الثاني
قد أراد محمد على بادئ الأمر أن يكون طبقة من المتعلمين تعلما عاليا يستعين بهم في القيام بأعمال الحكومة والعمران في البلاد، وفي نشر التعليم بين طبقات الشعب، وهذا هو التدبير الذي برهنت عليه التجارب إنه خير ما تنخض به الأمم ، وقد ساعد على تكوين طبقة تعلمت تعلما عاليا قبل إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية ان الأزهر كفل إمداد المدارس العالية والبعثات بالشبان المتعلمين الذين حازوا من الثقافة قسطا يؤهلهم لتفهم دروس المدارس العالية في مصر أو في أوروبا، فكان الأزهر خير عضد للتعليم العالي
والمقال بقية انتظرونا مع الجزء الثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى