الادب

أنا وأنت وصغيري

كتبت _ باسنت مدحت

منذ عامين أو أكثر، كتبت عن جدي لأول مرة بكل جوارحي، أما أنت.. فكيف للقلب أن يخرج من الجسد؛فيكتب حتى تاهت الكلمات معك في البرزخ، إلى يوم النشور، ولكن متى النشور!
النشور إلى كراستي بمثابة تجسد الآه أمام عيوني، أما يوم نشورك ربما يكون أيسر علي؛ فستكون أمامي، علني أحتضنك؛ فتندمل الآهات.
وبينما ترتدي هذا القميص الأصفر ، الذي يبهج الصورة، والصغير ملاكا في الأبيض، وأنا أتزين بالأحمر، ثمة شىء فيها، فحوت كل ملامحك، التي ستبقى خالدة في قلبي الخائف من يوم، لم يأت بعد.
النظارة الزجاجية التي تضيع منك، وقد كانت في الأصل بين يديك سهوا، الضحكة التي تعبث للصورة، وصغيري في شهره الثالث، والذي لم تكن حملته بعد من الخوف.
تجاعيد الجبين في الفرح والحزن، تحفر في عن قصد، مثل سكين حاد؛ كلما تذكرت لحظة ما.
تصفيقك الذي يصدر صداه في صمت، من فرط فرحتك الكبيرة بصغيري، فأنا أعلم كم أحببت ولدي.
أذكر كلماتك في ذاك اليوم، إذ سألتني مازحا: لماذا لم يضحك بعد؟!
صوتك الذي سأظل أتذكره في كل لحظة يراودني، سأحاول أن أخبر نفسي جبرا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وبعد التقاط تلك الصورة، ذهبت إلى كرسي آخر؛ لترحب بضيف قائلا:
ماهذا النور؟!
طبعت الصورة، وعلقتها على الحائط، كلما مررت بجانبها، اقول لنفسي:
كم قاس هذا الفراق المهول!
في كتابي الأول، عاهدت أمي أن تأتي؛ لترى ما الذي فعلته في المناقشة الاولى، ولكني الآن لا أعلم ماذا سيحدث عندما أكتب كتابا جديدا؟! و أحظى ببعض من النجاح، أقبل عليك، أخبرك : لقد فعلتها.
أخاف إن وقفت على خشبة مسرح يوما ما لتكربمي، فأرى كرسيك فارغا.
عذرا..فقد تأخرت في كل شيء جميل، لأجعلك فخورا بي.
أحب كل شيء ملموسا، فاجعلني أرتوي بك في منامي، حاولت التمسك بالأمل في مرضك، بأن أراك من بعيد مثل الغريب، أكتفي ببعض المكالمات لانقاذك، ثم أقرر في لحظة ما، أن أنظر إليك؛ لأرتوي بك، لم أكن أعلم ما القادم، كان حدسي يداعبني، لكنني كنت أكذبه، فأقول: سينجو..سينجو.
ولكن المكتوب مكتوب يا والدي، كان الأجل قد غدا عاجلا، فوداع الغرباء لا يشبه وداع أب، عشت معه ثلاثين سنة من عمري، لم أفترق فيها عن ذاك البيت.
لم يسمح لي أحد أن أسلم عليك منذ بداية مرضك حتى لحظة الوداع؛ خوفا علي، فلا أستطيع أن أواجه ملامتي، حتى انتصر العجز والعناد والقوة، فامتنعت عن الاقتراب منك جبرا ، كأن المحبة والارتواء من جمرات جهنم، كنت تكره الوداع، والوحدة، والمرض، والفأل السيء، كنت دائما ماتقول:
إذا ذهبت فلن أعود، دعوني بقربكم
ذهبت فلم تعد، لا أستطيع أن أقول لك وداعا.
بل سأظل أردد( اللهم آنس وحشتي) حتى نلتقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى